. أنا سامعك، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يأذيكِ ولا يقرب منك وأنا قاعد قصادك.»هناء خدت نفس عميق ودموعها نزلت بصمت، وبصت لسلمى اللي كانت حاطة راسها على كتفها وبدأت تغمض عينها من التعب والخوف. قالت بصوت مهزوز وكسرة واضحة:«أنا كنت متجوزة.
. جوزي كان راجل أعمال معروف في السوق، بس للأسف الطمع عمى عيونه تمامًا. دخل في صفقات مش نظيفة وديونه كترت وبقت تحاصره من كل اتجاه. ولما لقى نفسه واقع لا محالة، حاول يورّطني معاه ويمضيني على أوراق وهمية وعقود مزورة عشان يشيلني القضية لوحدي ويطلع هو منها زي الشعرة من العجين.
ولما رفضت وشوفت حقيقته، هددني إنه هياخد مني بنتي سلمى ويحرمني منها للأبد، ومش بس كده.. ده بعت رجالة يراقبوني ويهددوني في كل حتة، واضطريت أهرب في نص الليل ومعايا سلمى بملابس الشتاء اللي علينا وبس، ومن يومها واحنا عايشين في رعب وخوف من إنه يوصل لنا.
»محمود عينيه وسعت من الصدمة والغضب. الكلام ده فكرّه بحيتان السوق اللي بيبيعوا كل ضميرهم عشان الفلوس، بس إنه يوصل بيهم الظلم والجشع إن أب يهدد أم بنته عشان يهرب من السجن دي نقطة تجاوزت كل الحدود الإنسانية والأخلاقية. سألها محمود بجدية ونبرة صارمة: «اسمه إيه الجبان ده؟
»هناء بتردد وخوف: «سامح الراوي.»محمود اتسمّر في مكانه لحظة. سامح الراوي؟! ده كان منافس قديم ليه في السوق، وعارف كويس أوي أساليبه الوسخة وقضاياه المشبوهة، وكان معروف عنه إنه بيستبيح أي حاجة عشان يكسب ومبيفرقش معاه أخلاق ولا مبادئ.
محمود بص لهناء وبص لسلمى النايمة بعمق على كتفها، وحس إن القدر كتب اللحظة دي عشان يجمّعهم ببعض. الراجل اللي خسر مراته وحياته الأسرية قبل سنين طويلة، وعاش وسط الجدران الواسعة للفيلا لوحده، قدامه فرصة مش بس عشان يعمل معروف، دي فرصة حقيقية عشان يسترد إنسانيته اللي ضاعت وسط الإسمنت والأسهم.
مد محمود إيده على الترابيزة ولمس طرف إيد هناء برفق وقال بحزم:«اطمني يا هناء.. من اللحظة دي، إنتِ وبنتك في حمايتي الكاملة. سامح الراوي ده أنا أعرفه كويس، ولا يمكن أسمح له ولا لغيره إنه يقرب من شعرة واحدة من سلمى، وأنا أقسم بالله ما هسيبه.»هناء بصّت له بدهشة وخوف مخلوط بأمل لأول مرة تحس بيه: «بس يا فندم.
. ده راجل مفترس وعنده نفوذ، وممكن يسبب لك أنت كمان مشاكل كبيرة!»ضحكة خفيفة دافية خرجت من قلب محمود لأول مرة من سنين، وقال بثقة مطلقة:«خليه يجي.. وأنا في ضهركم. يلا بينا، قومي معايا.
»في العربية الفخمة بتاعت محمود، كانت سلمى نايمة بعمق وراحة على الكنبة اللي ورا، لأول مرة من أيام تحس بالدفء والأمان الحقيقي. وهناء قاعدة جنبه قدام، وقلبها بيدق بخوف من المستقبل بس عيونها مليانة راحة وسلام عمرها ما حستهم قبل كده.
محمود ساق العربية بهدوء تام لحد ما وصلوا قدام الفيلا الكبيرة والواسعة في التجمع الخامس. البوابة الكبيرة اتفتحت أوتوماتيك، والعربية دخلت الجنينة المليانة شجر وزهور. هناء بصت للبيت بانبهار وقلق بالغ: «احنا رايحين فين يا فندم؟ ده بيت كبير أوي ومايصحش.
.»محمود طفّى الموتور وبصّ لها بابتسامة حانية وقال:«من النهاردة، ده بيتكم.. وممنوع كلمة 'يا فندم' دي تاني نهائي، تمام؟ اعتبروني أخوكم الكبير، أو زي ما سلمى قالت.. عمو اللي هيحيمكم ويديكوا الأمان.»في اللحظة دي، هناء متمالكتش نفسها وانفجرت في البكاء، بس المرة دي كانت دموع فرحة وامتنان لربنا سبحانه وتعالى إنه بعت لها طوق نجاة في أظلم وأقسى لحظة في حياتها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.