— حقيقة إيه؟ ومخبي عني إيه من خمس سنين؟ اتكلم، مين إنت أصلاً؟الراجل قرب خطوة كمان، ونور العربية الأحمر كان عاكس على وشه بيدي له هيبة مخيفة. صوته طلع هادي وثابت، كأنه بينطق بحكم محكمة:— أنا أبقى اللي دفع لأحمد تمن الشقة دي أول ما اتجوزتوا.
.. وأنا اللي كنت بمول شغله كله من خمس سنين لحد النهاردة. مريم فتحت عينها على آخرها، ورموشها البتلمع من الدموع اتهزت بصد. مة:— إنت بتقول إيه؟! أحمد طول عمره بيشتغل وبيتعب عشان يسافر ويعمل فلوسه بنفسه!الراجل ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية:— يشتغل لوحده؟
دandه كان بيمثل عليكي كويس قوي يا مريم. أحمد ده من خمس سنين كان مفلس تماماً، وشغله وسفره وكل الكذبة اللي عشتي فيها، كانت مرتبة من شخص واحد... جوز أختي الراجل اللي أحمد نصب عليه وخد منه كل ورثه زمان.
مريم حست إن الدنيا بتلف بيها، وقعدت على شنطتها غصب عنها من كتر ما رجليها مبقتش شايلاها:— نصب عليه؟! لا لا، إنت اكيد غلطان... أحمد ممكن يكون خانني، اه، لكن نصاب؟ مستحيل!— مستحيل؟ طيب تعالي اتفرجي. الراجل طلع تابلت صغير من جيبه، وفتحه وداه قدام عينيها.
الشاشة كانت منورة بصور، ومستندات، وتحويلات بنكية، وصور لأحمد وهو بيمضي عقود شراكة مع ناس مش شبة شغله خالص، وفي وسط الصور دي كلها... صورة لرانيا نفسها وهي واقفة مع أحمد في مكتب فخم من سنين!مريم بصت للصور بدموع نازلة بغزارة، وصوتها كان بيترعش:— رانيا.
.. هي كمان عرفاهم من زمان؟الراجل قفل التابلت وحطه في جيبه، وبص لها بعينين حادتين:— مش بس عرفاهم، دي الشريكة الأساسية في كل عمليات النصب اللي عملها. أحمد ما اتجوزكيش حب فيكي يا مريم... هو اتجوزك عشان كنتِ الواجهة المحترمة اللي تداري بيها على بلاوي وشغله المشبوه، وعشان عيلتك كانت ليها اسم كبير بيحميه في الشغل في الأول.
والليلة دي بالذات، مكنتش صدفة أبدًا إنك تكتشفي خيانته... هما كانوا عايزينك تمشي، عشان يقبضوا الفلوس اللي طالعة من آخر صفقة نصب ويهربوا بيها بره البلد الفجر ده. مريم فضلت قاعدة مكانها، الدموع وقفت في عينيها وحلت محلها برودة غريبة.الخمس سنين اللي فاتت كلها اتهدت قدام عينيها شريط فيديو سريع.
الشغل، السفر المتكرر، الوعود الكذبة، كل جملة قالها لها. وقفت ببطء، ورفعت راسها للراجل وهي بتمسح دموعها بقسوة:— وبيت العيلة اللي بنصرف منه؟ والشقة؟— كله مسجل باسم رانيا من شهر... وإنتِ كنتِ الطعم اللي نايم في العسل.
مريم سكتت ثواني، وبعدين ابتسمت بوجع مرير:— تمام... شكراً إنك فتحت عيني.— ناوية تعملي إيه؟ دول مسافرين المطار كمان كام ساعة. مريم فتحت باب عربيتها وركبت بسرعة، وبصت له من الشباك بنظرة نارية:— مش هخليهم يتهنوا بلحظة واحدة... اركب عربيتك، ورايا على التجمع!
……. مريم دبرت عربيتها وضغطت على البنزين بقوة لحد ما الكاوتش عمل صوت صفير عالي على الإسفلت. العربية الحمرا بتاعت الراجل اتحركت وراها على طول، وسحبوا طريق السويس كأنهم في سباق مع الزمن. قلب مريم مكنش فيه مكان للوجع ولا للدموع خلاص؛
الوجع تحول لبركان غضب ونار ساكتة، كل ذكرى حلوة, كل كلمة "إحنا هنعدي أي حاجة"، وكل تضحية ضحتها عشانه... اتمسحت في ثواني واتبدلت برغبة عمياء في الانتقام. في خلال نص ساعة كانت عربيتها دخلت برج التجمع الخامس ووقفت بصوت عالي قدام الجراج.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.