طول الطريق، ليان كانت قاعدة جنب الباب لازقة فيه، كأنها خايفة تصحى وتلاقيه حلم. كل شوية تبص لبره، وبعدين تبصلي وتتأكد إني قاعد جنبها بجد. لما وصلنا الشقة بتاعتي في القاهرة، كانت الغبار قعد في كل حتة؛ لأني مكنش بفتحها غير أيام قليلة في السنة.
دخلت ليان، وقفت في نص الصالة، بصت لكل شبر حواليها.— «دي... دي شقتك يا بابا؟»— «دي شقتنا إحنا الاتنين من النهاردة.»حطيت شنطتها المقطوعة على الكنبة، ودخلت المطبخ أعمل لها حاجة تشربها، ولقيت موبايلي بيرن تاني. مش أمي المرة دي... أخويا. فتحت الخط، وصوته جه عالي وغاضب قبل ما أنطق:— «إنت إيه يا أخي؟ رايح تبهدل أمك وتزعق لها عشان قرشين؟ ما العيلة سند لبعضها، ولا نسيت إننا اللي ربيناك؟
»مسكت الموبايل بقوة لدرجة إن صوابعي ابيضت. صوتي طلع هادي، هادي لدرجة مرعبة.— «سند؟ وسندتوا بنتي بإيه؟ بالفقر والجوع وإيميلات مزيفة وسرقة عرق تعبي وشقايا في الغربة؟»— «يا عم اسمع...»— «اسمع إنت كويس أوي.. الشقة اللي أنت جهزتها، والفلوس اللي صرفتها على نفسك وضحكت بيها على أمي، هتحسبها جنيه جنيه وترجعها.
ولو فكرت تقرب من ناحية ليان تاني، أو أمك دبرت حاجة من ورايا، قسم بالله ما هيحصل كويس، واعتبر إن مفيش أخ بيني وبينك من اللحظة دي.
»قفلت السكة في وشه وعملت بلوك للرقم، وبلوك لكل أرقام البيت هناك. طلعت للصالة، لقيت ليان قاعدة على السرير جوه الأوضة، ماسكة التيشيرت بتاعي القديم اللي سيبته على الكرسي، ونايمة عليه من التعب والأمان اللي حست بيه لأول مرة من سنين. قعدت جنبها، غطيتها بالبطانية، وبست راسها، ودموع الندم حرقت عيني.
همست جنب إذنها وهي نايمة:— «حقك عليّا يا بنتي... أنا جيت، ومش هسيبك تاني أبدًا.»…………تاني يوم الصبح، النور كان لسه بيدخل بهدوء من شباك الأوضة. ليان كانت نايمة بعمق، ولأول مرة وشها مرتاح ومن غير كشرة ولا خوف.
حسن كان قاعد جنبها على الكرسي، عيونه حمرا من السهر، بيبص لها وكأنه مش مصدق إنها بقت جنبه وبخير. قام بهدوء عشان ميصحهاش، ودخل المطبخ يعمل فطار، وفجأة موبايله المرمي على الترابيزة رن. بص في الشاشة... دي أمه. سكت ثواني، وبعدين فتح الخط وحطه على أذنه من غير ما ينطق بحرف.
— «ألو يا حسن؟» -صوت أمه كان مكسور وفيه نبرة عتاب- «إزيك يا بني؟ يعني مقاطعتنا عشان كلمتين عصبية؟ طب تعالى اتكلم معايا عقل لـ عقل، وأخوك ندمان وعايز يجي يبوس راسك ويصالحك، ما بين الإخوات مفيش حساب!
»حسن أخذ نفس طويل، صوته كان هادئ وصلب زي الحديد:— «عقل إيه يا أمه؟ وليان اللي كانت بتنام بـ عيش ناشف جوه منديل إيه؟ أخويا ندمان عشان اتكشف، مش عشان ظلم بنت أخوه اللي كانت في رقبتكم.»— «يا ابني اسمعني.
..»— «أنا سمعت كفاية سنين فاتت. من النهاردة، أنا أبو ليان وبس. بيتي هنا في القاهرة، ومفيش أي تواصل بيني وبينكم لحد ما أبنك يرجع آخر قرش أخده من حق بنتي،ا بيتي خط أحمر محدش يقرب منه تاني.
مع السلامة يا أمه.»قفل السكة وعمل بلوك نهائي لرقمها، وقطع أي باب للرجوع للمهزلة دي. في اللحظة دي، سمع صوت خطوات خفيفة بره الأوضة. بص وراه لقى ليان واقفة عند باب المطبخ، ماسكة طرف التيشيرت بتاعها ومرتبكة، وعيونها تايهة بينه وبين الموبايل. قلب حسن وجعه، ورمى الموبايل على الترابيزة وابتسم لها أوسع ابتسامة يقدر عليها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.