»
مدتلي ورقة مطبوعة. إيميل من حوالي تلات شهور. عنوان البريد الإلكتروني كان شبه اسمي بالكامل. لكن الإيميل مش بتاعي. قرأت الرسالة. كان مكتوب فيها إن والد ليان مش عايز أي تواصل مباشر معاها، وإن كل حاجة تخص البنت لازم تمر عن طريق جدتها.
رفعت عيني للأستاذة نهى.— «ده مش إيميلي.»
وشها اتغير.— «أنا بدأت أشك في كده.»
بصيت لباقي الورق. كان فيه رد من ليان على الرسالة. الخط كان خط بنتي. مكتوب:
«بابا، أنا آسفة لو مصاريفي كتير... ممكن أعيش معاك؟»
وتحتها رد تاني.
..حد بعت من نفس الإيميل المزيف باسمي.«محتاجك تبطلي تطلبي مني.»
فضلت باصص للجملة وأنا حاسس إن إيدي بتترعش. ومن ورا الزجاج، ليان بصت ناحيتي. أول ما عينينا اتقابلت، ابتسمتلي ابتسامة صغيرة. ابتسامة فيها أمل. حطيت الورقة على المكتب قبل ما تشوف إيدي وهي بتترعش.
وفجأة...موبايلي رن. أمي. رديت.— «أيوه يا أمي؟»
قالت بسرعة:
— «ليان معاك؟»
بصيت لبنتي.— «أيوه.»
صوت أمي اتغير:
— «كويس. بس إوعى تصدق أي كلمة تقولها لك.»
سكت ثواني. وبعدين بصيت تاني على الإيميل اللي قدامي.
وقلت:
— «ليه بنتي أصلًا كانت محتاجة إذن منك عشان تكلمني؟»
سكتت أمي. سكتة طويلة أوي. وبعدين قالت:
— «قبل ما تتعصب، لازم تفهم الأول أخوك كان بيمر بظروف صعبة.»
اتجمدت مكاني. أخويا؟أخويا اللي من كام أسبوع بس كان مشتري شقة جديدة وبيجهزها من الألف للياء.
بصيت ناحية بنتي. وبعدين للورقة. ولأول مرة، بدأت أفهم إن حكاية الألفين جنيه ما كانتش هي المشكلة أصلًا. المشكلة كانت: الفلوس اللي أنا بعتها لبنتي... راحت فين؟………الخطوط على شاشة الموبايل بقت باهتة قدام عيني، وصوت أمي في السماعة كان عامل زي دوشة بعيدة ورا سدّ.
— «أخوك يا حسن... غارق في الديون والجمعيات، والمصاريف بقت جبل على صدره، وكان محتاج قرشين يستر بيهما نفسه لحد ما يقف على رجله... يعني الفلوس دي جوة البيت، مش راحة لغريب!»ضحكت بوجع، ضحكة ناشفة مطلعهاش صوت. بصيت من إزاز المكتب على ليان، كانت بتمسح بقعة عصير صغيرة نزلت على كوتشها الممزق بشريط اللاصق، وبتحاول بظفرها تخفي قطعتين التلزيق عشان مخدش بالي.
— «بيت مين يا أمه؟» -قلت بصوت واطي بس كأنه طالع من بير جاف- «ابنك يشتري شقة جديدة بالحديد والبلاط، وبنتي بتاكل فتافيت العيش اللي بتوقع في إيدها في حوش المدرسة؟
»— «يا بني اسمعني...»— «لا، إنتي اللي تسمعيني كويس، ومن غير ولا كلمة زيادة.»قفلت التليفون في وشها، وحسيت فجأة إن الأكسجين جوه المكتب خلص. الأستاذة نهى مادتش إيدها بحاجة، بس بصتلي بنظرة كلها وجع وتعاطف صامت.— «أستاذ حسن... هتعمل إيه؟»— «هخدها معايا.»فتحت باب المكتب ودخلت.
ليان قامت فجأة وهي ماسكة شنطتها كأنها خايفة أكون غيرت رأيي.— «يلا يا ليان.»— «هنروح فين يا بابا؟ بيتي ولا...»نزلت على ركبتي قدامها، ومسكت إيديها الاتنين اللي كانت بداريها، وبصيت في عيونها اللي فيها خوف السنين اللي فاتت دي كلها.
— «هنروح بيتنا الحقيقي يا ليان. بيتك إنتِ وبس... ومحدش تاني هيقدر يحط إيده على حاجة تخصك طول ما أنا عايش.»دموعها نزلت، بس المرة دي نزلت ومعاها ابتسامة حقيقية، أخيرًا حسّت إنها مش لوحدها في الدنيا دي. ركبنا عربية أجرة على طول من قدام المدرسة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.