اتصلت بيا أمي وأنا لسه في الشغل. قالتلي بصوت متوتر:
— «بنتك صرفت الفلوس كلها يا حسن... كل جنيه!»
خرجت من المكتب ووقفت في طرقة الشركة بعيد عن صوت العمال.— «فلوس اللابتوب؟»
— «أيوه، فلوس اللابتوب! أمال إيه؟ وكمان بتخرج من ورايا مع ولد معرفش مين هو، ولا حتى من مدرستها.
لازم تنزل القاهرة وتتصرف معاها.»
ألفين جنيه. كنت محوّلهم لبنتي من أربع أيام بس. حجزت أول قطار راجع من المنصورة للقاهرة، وطول الطريق وأنا بحضر الكلام اللي هقوله لبنتي. هفهمها أنا بتعب قد إيه.
وأصرف قد إيه عليها. وأنا بشتغل بعيد عن البيت عشان أوفر لها حياة أحسن. وهقولها قد إيه أنا كنت متوقع منها تكون مسؤولة. وأكتر جملة كنت محضرها وجعتني بعد كده:
«لو أمك كانت عايشة، كانت هتزعل منك أوي.»
لحد النهارده، كل ما أفتكر إني كنت ناوي أقولها كده، بحس إني كنت أعمى.
مراتي، سمر، ماتت من خمس سنين. بعد ما دفناها، كنت غرقان في أقساط البيت ومصاريف العلاج والديون. شغلي في المقاولات كان بياخدني لمحافظات مختلفة، بس كان بيدخل فلوس كويسة تساعدني أطلع من اللي أنا فيه.
أمي وقتها قالتلي:
— «سيب بنتك عندي يا حسن. خليها وسط أهلها ومدرستها، وإنت ركز في شغلك لحد ما تقف على رجلك.»
بنتي ليان كان عندها عشر سنين وقتها. المفروض كانت هتعيش عند جدتها ست شهور بس. الست شهور بقوا سنة. والسنة بقت خمس سنين. كنت برجع كل فترة من الشغل. عيد ميلاد.
رمضان. العيد. مرة آخدها آكلها آيس كريم. ومرة أوديها الملاهي. ومرة أقعد معاها ساعتين قبل ما أسافر تاني. وأمي كانت دايمًا بتقوللي إن كل حاجة تمام. لكن ليان كانت بتبقى أهدى كل مرة أشوفها فيها. كنت بقول لنفسي:
«دي لسه بتتعافى من موت أمها.
»
«دي مراهقة وبتتغير.»
«كل البنات في سنها بيبقوا عصبيين.»
ولما مكالماتنا بدأت تقصر، أمي كانت دايمًا عندها تفسير.— «هي زعلانة إنك مش بتجيب لها كل اللي نفسها فيه.»
— «سيبها براحتها.»
— «بلاش تضغط عليها.»
وأنا صدقتها. يا رب سامحني... صدقتها.
من السنة التانية بدأت أحوّل لأمي حوالي ٢٨ ألف جنيه كل شهر عشان مصاريف ليان: هدوم، مدرسة، دروس، علاج، خروجات، وكل احتياجاتها. ولما أمي قالتلي إن ليان محتاجة لابتوب عشان الدراسة، ما سألتش كتير. حوّلت لها الفلوس في نفس اليوم.
كنت فاكر إن الفلوس اللي بتوصل لحسابهم ممكن تعوض غيابي. كنت فاكر إن التحويل البنكي معناه إني موجود. وصلت المدرسة قبل نهاية اليوم الدراسي بشوية. كانت مدرسة حكومية كبيرة في منطقة شعبية بالقاهرة، والزحمة قدام البوابة كانت لسه ما خلصتش.
دخلت مكتب شؤون الطلبة، وطلعت بطاقتي وقلت:
— «أنا والد ليان عبد الرحمن، وعايز أشوفها.»
الموظفة اتصلت بالأخصائية الاجتماعية. وأنا مستني، لمحت ليان من شباك المكتب. كانت قاعدة لوحدها في فناء المدرسة على سور قصير. السوستة بتاعة شنطتها كانت مكسورة. كمّ البلوزة كان طويل عليها وبتحاول تغطي بيه إيديها. واحد من كوتشاتها كان مفتوح من الجنب ومتلزق بشريط لاصق فضي. كان في إيدها قطعة عيش صغيرة من كافيتريا المدرسة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.