” لسه كنت هرد، لقيت “حماتي” طالعة من وراه على السلم زي القضاء المستعجل، وشها كان أزرق من كتر الغضب وصوتها عالي وهي بتزعق: — “ترجع لمين يا خالد؟ دي اللي فضحتك في البيوت! دي اللي لازم تتربى هي وأهلها! إنت هتضعف قدامها ولا إيه؟” بصيت لهم هما الاتنين، وبصيت لخالد اللي أول ما أمه اتكلمت، كشّ ورجع ورا خطوة.
. وفي اللحظة دي عرفت إن مفيش فايدة، وإن اللي انكسر عمره ما يتصلح. قلت له وأنا ببتسم بوجع: — “شوفت؟ لسه بتترعش منها.. روح يا خالد مع ماما، أنا مبرجعش لورا، والشرع اللي حللك أربعة، حللي أنا كمان إني أعيش بكرامتي بعيد عنك وعنها.” ورحت رزاغة الباب في وشهم هما الاتنين.. بس المرة دي الرزعة كانت مريحة، وكأنها سدت خرم كان بينزف في قلبي.
دخلت أوضتي، قلعت الطقم اللي كنت لابساه ورميته في الغسالة، وكأني بغسل آثار اليوم ده كله من عليا. قعدت على السرير، وفتحت كشكول قديم كنت بكتب فيه “أحلامي” المؤجلة من أيام الخطوبة، أحلام كانت بتتدفن يوم ورا يوم تحت تراب خدمة خالد وأمه. قلت لنفسي: “مفيش وقت للندم يا ابتسام، العركة الحقيقية لسه بتبدأ.” تاني يوم الصبح، نزلت السوق.. بس مش عشان أجيب خضار للبيت، المرة دي كنت نازلة عشان “أشتغل”.
أنا طول عمري شاطرة في الحلويات، والكل كان بيحلف بـ “تورتة” ابتسام وبسبوستها. رحت لمحل حلواني كبير في منطقتنا، صاحب المحل “الحاج مرسي” راجل طيب وعارفني وعارف أهلي. دخلت له وبكل ثبات قلت له: — “يا حاج مرسي، أنا عايزة أورد للمحل عندك حلويات بيتي.. شغل نضيف، سمنة بلدي، وطعم مش هتلاقيه في أي حتة تانية.
” الحاج مرسي بص لي باستغراب: — “بس يا بنتي المحل شغال والحمد لله، وإنتي ست بيت…” قاطعته بثقة: — “جرب يا حاج، مش هتخسر حاجة. أنا هجيب لك بكرة “عينة” من غير فلوس، لو عجبك الشغل نتوكل على الله، ولو ما عجبكش يبقى كأن شيئاً لم يكن.” وافق الحاج مرسي، ورجعت البيت شعلة نشاط. طول الليل وأنا في المطبخ، ريحة الفانيليا والزبذة ملت البيت، والولاد قاعدين حواليا فرحانين بالدوشة اللي حصلت فجأة دي.
وف وسط ما أنا بطلع الصواني من الفرن، الجرس رن. فتحت، لقيت “خالد” باعت لي “محضر” من المحكمة! فتحت الورقة بإيد بتترعش، لقيتها دعوى “طاعة” وإنذار بإن لو مارجعتش بيت الزوجية (اللي هو أصلاً طردني منه بفعله) هبقى “ناشز” وهتحرم من كل حقوقي! ضحكت بمرارة ورميت الورقة على الرخامة جنب الدقيق. — “طاعة يا خالد؟ بعد ما طلقتني قدام الناس؟
عايز تذلني عشان ترضي الست الوالدة وتحفظ ماء وجهك؟” اتصلت بالمحامي وحكيت له، قالي بضحكة ثقة: — “ده بيض*رب حلاوة روح يا مدام ابتسام.. هو لسه ما وثقش الطلاق في السجل المدني عشان يزنقك، بس إحنا معانا “شهادة” نورا وأهلها إنه طلقك، وده لوحده يقلب الترابيزة عليه. كملي في طريقك ولا كأنك شفتي الورقة دي.” مر شهر.. شغلي مع الحاج مرسي بقى حديث المنطقة. الستات بقوا يسألوا بالاسم على “حلويات ابتسام”.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.