فتحت الدولاب وطلعت شنطة هدومي، بس إيدي وقفت.. أنا لو مشيت هبقى حققت لها اللي هي عايزاه، ولو قعدت هبقى بمو*ت في اليوم ألف مرة. السكوت اللي عمّ البيت بعد خروج حماتي كان أرذل من كلامها.. سحبت نفسي ودخلت المطبخ، مش عشان أعمل حاجة، بس عشان أبعد عن “ريحة” وجودها اللي لسه كاتمة على نَفَس الصالة. سندت راسي على الرخامة الباردة، وغمضت عيني.. شريط حياتي كله عدى قدامي.
افتكرت لما كان خالد بيحلف بيا، لما كان بيقولي “إنتي الأمان يا ابتسام”. إيه اللي غيره؟ هل فعلاً الودن بتعشق قبل العين زي ما بيقولوا؟ ولا هو كان هش من البداية وأنا اللي كنت ساندة على حيطة مايلة؟ فجأة، تليفوني نور.. بصيت فيه بلهفة، كان هو! بعت رسالة قصيرة: “أنا مش هقصر في مصاريف الولاد، والبيت هيفضل باسمك عشانهم، بس يا ريت ما تحاوليش تتصلي بيا الفترة دي.
. أنا محتاج أبدأ صفحة جديدة بعيد عن النكد.” صفحة جديدة! والولاد؟ والصفحات اللي اتقطعت من عمري وأنا بخدمه وبخدم أمه؟ مسكت التليفون وكنت هكتب له كلام يحرقه، بس مسحت كل حاجة.. الكرامة لما بتتهان، مفيش كلام بيرجعها. قمت، غسلت وشي بمية تلج عشان أفوق، وبصيت لنفسي في مراية المطبخ.. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد من قلة النوم والهم، بس فيه نظرة “غل” بدأت تلمع في عيني لأول مرة.
قلت لنفسي بصوت واطي: — “ماشي يا خالد.. ماشي يا طنط.. إنتو اللي اخترتوا البداية دي، بس أنا اللي هرسم النهاية.” رجعت أوضة الولاد، قعدت جنب “حازم” الصغير، لمست شعره بحنية وقلت له وكأنه سامعني: — “حقك عليا يا ابني إني اخترت لك أب بالضعف ده.. بس وحياة وجعي ده، لأخلي بكرة يبقى أحسن ليكم بكتير من غيره.
” الصبح طلع، والضوء اللي دخل من الشباك كان كأنه كاشف لكل ركن في البيت، بيفكرني إن “خالد” فعلاً مش هنا. قمت من جنب الولاد بقلب ميت، مفيش دموع خلاص.. النشاف اللي في عيني ده خوفني من نفسي. دخلت الحمام، لميت شعري “كحكة” لفوق، وبصيت للمراية بجمود. كان لازم آخد خطوة، بس مش الخطوة اللي هما مستنيينها.
هما فاكرين إني هلم هدومي وأروح أعيط في حضن أمي وأقول “الحقوني”، أو هفضل هنا أندب حظي وأستنى “النفقة” اللي هيرميها لي كل شهر. لا.. ابتسام اللي كانت بتترجى امبارح ماتت مع رزة الباب. سمعت صوت مفتاح في الباب.. قلبي دق، بس المرة دي من الغيظ مش من اللهفة. دخلت “حماتي” ومعاها “عبير” مرات أخو خالد المتوفى. عبير اللي طول عمرها الحرباية اللي بتنفخ في النار، والذراع اليمين لحماتي.
حماتي دخلت بكل ثقة ورمت مفاتيحها على الترابيزة وقالت بصوت عالي عشان تسمعني: — “يا عبير يا بنتي، اطلبي بتاع التنضيف ييجي يلمع الشقة دي من فوق لتحت.. مش عايزين العروسة الجديدة تدخل تلاقي ريحة النكد والهم في الحيطان.” خرجت لهم من المطبخ ببرود، وسندت على الباب وقلت بصوت هادي وواثق: — “منورين يا جماعة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.