اتأخرت عن تكريمي عشان أنقذ راجل غريب... وطلعت أنقذت صاحب أكبر عيلة في البلد!"يا آنسة، لو فضلتي تضيعي وقتك معايا كده، هتتأخري على الحفلة الكبيرة بتاعتك."بصت له مريم عبدالرحمن بغيظ وهي قاعدة على ركبتها قدام الراجل المصاب، وبعدين بصت للعربية المرسيدس السودا المحطمة اللي كانت خابطة في الحاجز الحديدي على طريق مصر–الإسكندرية الصحراوي. المطر كان نازل بغزارة، ونور العربيات بيقطع ضلمة الطريق، وصوت كلاكسات العربيات اللي بتعدي حواليهم كان مخلي الدنيا كلها دوشة.
من أقل من خمس دقايق، مريم كانت سايقة عربيتها الصغيرة في طريقها للقاهرة. كانت رايحة فندق كبير في التجمع الخامس، المكان اللي هيتعمل فيه حفل تكريم لمجموعة من العاملين في المجال الطبي والإنساني. والنهارده بالذات كان يوم مختلف بالنسبة لها. لأول مرة في حياتها، اسمها كان هيطلع على المسرح قدام شخصيات مهمة، وهيتم تكريمها عن شغلها مع كبار السن والمرضى اللي عايشين لوحدهم في مناطق شعبية.
كانت مستنية اليوم ده من سنين. لكن أول ما شافت العربية وهي بتتزحلق على الأسفلت المبلول وتخبط في الحاجز، دوست فرامل بكل قوتها. دعوة الحفل وقعت على أرضية العربية. ومريم، من غير حتى ما تفكر، نزلت من عربيتها وجريت ناحية العربية المحطمة. وبعد لحظات، شافت الراجل بيحاول يخرج منها. كان حوالي الأربعين سنة، لابس قميص أبيض غالي جدًا، وساعته لوحدها شكلها تمن مرتبها كام شهر.
بس اللي لفت نظر مريم أكتر كان الدـ,ـم اللي نازل من جنب راسه، وإيده اللي كان ماسك بيها كتفه. قربت منه بسرعة."إنت كويس؟"هز راسه."أنا تمام."مريم بصت له باستنكار."تمام إيه؟! إنت بتنـزف!""جرح بسيط.""آه طبعًا... وكل الناس اللي دماغها بتنزف بتقول نفس الكلام."حاول يضحك، لكنه اتألم وحط إيده على كتفه. مريم فتحت شنطة الإسعافات الأولية اللي كانت دايمًا بتخليها في شنطة العربية.
"اقعد.""مش محتاج.""اقعد يا أستاذ."بصلها باستغراب. واضح إنه مش متعود حد يكلمه بالطريقة دي."إنتِ دايمًا بتكلمي الناس اللي أول مرة تشوفيهم كده؟""لأ، بس اللي بيحاول يقع على الأرض وهو بيقول أنا كويس، بيطلعلي شخصيتي الوحشة."ضحك لأول مرة. ورغم الألم، ابتسامته كانت واضحة."أنا أحمد. "مريم وهي بتنضف الجرح:"أحمد إيه؟
"سكت ثواني."أحمد كفاية."رفعت عينيها له."براحتك. خبي اسمك. أنا كل اللي يهمني دلوقتي إنك ما تفقدش الوعي."قربت منه وفحصت عينيه، وبعدها حطت صوابعها قدامه."شايف كام صباع؟"بصلها."اتنين.""كويس.""كنتِ متوقعة أشوف كام؟""معرفش... يمكن تكون بتشوف الدنيا كلها صباعين. "ضحك مرة تانية. لكن مريم ما ضحكتش.
كانت مركزة في حالته. الجرح محتاج خياطة على الأغلب، وكتفه لازم يتعمل عليه أشعة. وفجأة تليفونها رن. بصت للشاشة. نهى، صاحبتها المقربة. فتحت الرسالة:"مريم إنتِ فين؟! الناس كلها وصلت! الحفل هيبدأ كمان ربع ساعة! "وبعدها رسالة تانية:"المدير بيسأل عنك بنفسه."قفلت الموبايل. الراجل الغريب لاحظ توترها."روحي."بصت له."إيه؟""روحي الحفلة. واضح إنها مهمة."مريم تنهدت."مهمة جدًا.""يبقى روحي."مريم بصت له شوية، وبعدها قالت بحسم:"لا."رفع حاجبه."لا؟
""هآخدك المستشفى الأول.""مش لازم.""لازم.""بس إنتِ هتضيعي تكريمك. "مريم سكتت لحظة. كانت عارفة إنه عنده حق. النهارده كان أهم يوم مهني في حياتها. كانت بتشتغل من سنين في عيادة خيرية تابعة لمؤسسة أهلية، وبتنزل بنفسها للبيوت عشان تتابع كبار السن والمرضى اللي مش قادرين يتحركوا. والتكريم ده كان أول تقدير حقيقي تاخده على تعبها. لكنها بصت للراجل قدامها وقالت:"التكريم ممكن يتعمل بكرة."وأشارَت للعربية المحطمة."إنما لو سيبتك هنا، مش ضامنة بكرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.