ريحة السجاير والقهوة مالية المكان، والتليفونات مش بتبطل رن. بعد دقائق دخلت مكتب العميد حاتم الشناوي. كان قاعد ورا مكتب خشب كبير، قدامه فنجان قهوة وملف مفتوح. رفع عينه وبصلي.— أهلاً يا ياسين. ما رديتش.— سمعت إنك رجعت مخصوص عشان مراتك.— مراتي في المستشفى بين الحياة والموت.
— ربنا يقومها بالسلامة. قالها ببرود مستفز. قربت من المكتب.— مين اللي عمل فيها كده؟فتح الملف قدامه.— حسب المحضر... مراتك دخلت موقع تابع لشركة الشناوي للمقاولات من غير تصريح، وحصلت مشادة بينها وبين العمال، وبعدها وقعت من على السلم.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما يكون فيها أي فرحة.— وقعت؟— أيوه.— واتكسرت رجليها الاتنين واتصاب دماغها؟— الحوادث بتحصل. بصيت له في عينه.— أكيد. سحب ورقة من الملف ومدها ناحيتي.— أنا هقولك نصيحة يا ياسين... خد مراتك وارجع بيتك.انسَ الموضوع كله، ومحدش هيقربلكم.
مسكت الورقة.— ولو ما نسيتش؟ابتسم.— ساعتها الموضوع ممكن يكبر.— يكبر إزاي؟مال بجسمه لقدام وقال بصوت منخفض:— إنت شاب ولسه قدامك مستقبل. متخليش مشكلة تافهة مع ابني تبوظ حياتك. سكت. وبعدين قلت:— أنا ممكن أمشي؟
رجع بضهره للكرسي.— طبعًا. قام يفتحلي الباب بنفسه. كان مستني أشتمه. أزعق. أمد إيدي عليه. لكن أنا خرجت بهدوء. لأنهم ما يعرفوش أنا مين. وما يعرفوش أنا كنت بشتغل إيه قبل ما أرجع مصر. وصلت المستشفى بعد دقائق. دخلت العناية، ولما شفت سارة.
..اتجمدت. كانت نايمة وسط الأجهزة.وشها مليان كدمات. إيدها فيها كانيولا. ورجليها الاتنين مثبتين في أجهزة معدنية ضخمة بسبب الكسور الشديدة. قربت منها وأنا بحاول أتماسك.— سارة...جفونها اتحركت ببطء. فتحت عينيها. ولما شافتني، دمعة نزلت من جنب عينها.— ياسين...مسكت إيدها.— أنا هنا.
حاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيف جدًا.— ما... ما خدتش...قربت أكتر.— خدوا إيه؟حركت شفايفها بصعوبة.— التسجيلات...قلبي دق بسرعة.— تسجيلات إيه؟بصت حواليها بخوف، وكأنها متأكدة إن حد ممكن يسمعنا. وبعدين ضغطت على إيدي.— فارس...— فارس عمل فيكي كده؟هزت راسها بصعوبة.— كان... بيسرق...سكتت، وأخدت نفسها بصعوبة.
— أرض الدولة...بصيت لها من غير ما أتكلم. في اللحظة دي كل حاجة بدأت تركب مع بعض. الاعتداء. المحضر المزور. تهديد والد فارس. وإصرارهم إن سارة تسكت. بس كان فيه تفصيلة واحدة هما ما يعرفوهاش. سارة ما كانتش مجرد زوجة واحد مسافر في مهمة.
وأنا كمان ما كنتش مجرد عسكري رجع مصر عشان ياخد مراته من المستشفى. أنا كنت مكلف بمهمة سرية من فترة طويلة...وسارة كانت الشاهدة الأساسية فيها. والعميد حاتم الشناوي ارتكب أكبر غلطة في حياته...لأنه افتكر إنه بيواجه جوز الست اللي ضربها.وما كانش يعرف إنه فتح على نفسه باب لحكاية أكبر بكتير.
لأن التسجيلات اللي سارة قالت إنهم ما أخدوهاش... كانت لسه موجودة. ومكانها...كان مع الشخص الوحيد اللي فارس ما فكرش يدور عنده.………بصيت لسارة وهي بتبتلع ريقها بصعوبة، ولقيتها بتشاور برأسها ناحية شنطة هدومها اللي على الكرسي جنب السرير.
قربت من الشنطة بهدوء، وفتحتها. وسط الهدوم، لقيت كتاب قديم، فتحته... وطلعت منه فلاشة صغيرة سودا. مسكتها وحسيت بكل عرق في جسمي بينبض غضب ممزوج ببرود الثلج. بصيت لسارة، وطمنتـها بنظرة كلها ثقة.— ارتاحي انتي دلوقتي، والدكاترة هنا هيقوموا بالواجب، وأنا راجعلك. خرجت من المستشفى، وركبت عربيتي.موبايلي رن فجأة، رقم غريب.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.