سارة رمت شنطتها الغالية على الأرض، ونضارة الشمس بتاعتها اتكسرت تحت رجل عمال النقل اللي وقفوا مذهولين، مش عارفين يتحركوا ولا ينطقوا بحرف واحد.
حاجة صبحة طبطبت على كتفي بحنان، وبصت لأبويا نظرة أخيرة قالت فيها كل اللي محتاجين يفهموه، وبعدين خرجت بهدوء وقفلت الباب وراها، وسابتنا جوه اللحظة اللي مافيهاش رجعة. قربت من الكرسي اللي أبويا قاعد عليه، ووطيت شوية عشان أبقى في مستوى عينه.
كان باصص للأرض، كأنه بيدور على السبعتاشر سنة اللي ضيعهم في الغروب، وكأنه بيشوف نفسه لأول مرة على حقيقته. ـ بابا..قلتها بصوت هادي وخالي من أي غضب. رفع عيناه المكسورة وبصلي. ـ الجنازة خلصت امبارح.. وعزا جدي خلص النهاردة.
وبيت جدي.. فتح بابه لناس تانية، وطلعكم أنتم اللي ضيوف مش أنا. أمي قامت بانهيار، مسكت طرف جلابيتي وقالت بصوت مكسور ودموعها نازلة بغزارة:ـ مريم.. بالله عليكِ.. إحنا أهلك.. ده أبوكِ.. هنروح فين بالشنط دي وفي الساعة دي؟ الشارع؟ هتبعينا للناس؟!بصيت لها بثبات، تذكرت كل ليلة كنت بعيط فيها وأنا صغيرة ومحدش بيمسح دمعتي غير جدي.
تذكرت إزای باعوني بكل سهولة عشان يجروا ورا مصلحتهم. ـ الشارع؟ لأ.. متخافيش، مش هعمل زيكم.. جدي رباني على أحسن من كده بكتير. أبويا فتح بؤه بصوت متهدج:ـ يعني.
.. يعني هنسيبنا نقعد؟هزيت راسي بالنفي البطيء، وابتسمت ابتسامة خفيفة. ـ البيت ده من اللحظة دي بيتي.. وأنا صاحبة القرار فيه. الأوضة الكبيرة بتاعتي أنا، لأني أنا اللي عشت فيها وخدمت صاحبها لحد آخر نفس في عمره. أما أنتم؟ فلكم عندي اللي أنتم قدمتوه لي زمان... ولا حاجة.
مدّيت إيدي وفتحت باب البيت على مصراعيه، ودخل هواء المنوفية البارد المليان بريحة الأرض الطيبة وزرع الجنينة. ـ الشنط جاهزة يا جماعة.. ومعاكم لحد الصبح تلمّوا حاجاتكم، زي ما طلبتوا مني بالظبط ألمّ هدومي في كيسين زبالة. فرق اللعبة إن جدي كان كاتب الفصل الأخير من سنين.
. وأنا بس.. كنت بقرأ السطور لحد ما وصلت للنهاية. قفلت باب أوضة جدي ورايا وسيبتهم واقفين في نص الصالة، تحت ضوء اللمبة الصفراء القديمة، أحرار أخيرًا.. بس من غير لا بيت، ولا ميراث، ولا حتى بنت كانوا فاكرين إنها اتنسيت. تمت.…..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.