أبويا بصلي وقال:
ـ متعمليش مشكلة يا مريم. سألته بهدوء:
ـ مشكلة إيه؟ـ متقفليش دماغك وتعملي فيها صاحبة البيت. سكت. لأني كنت فاكرة كلام جدي. قبل وفاته بكام يوم، كنت قاعدة جنبه في المستشفى. كان تعبان جدًا، وصوته ضعيف. مسكت إيده وقلتله:
ـ متخافش يا جدي... أنا جنبك. ابتسم. وقال:
ـ أنا مش خايف عليكِ. بصيتله باستغراب. ـ أمال خايف من إيه؟سكت شوية، وبعدين قال:
ـ هما هيرجعوا. سألته:
ـ مين؟بصلي بنظرة طويلة. ـ أبوكي وأمك. قلبي اتقبض. ـ ليه؟
رد بهدوء:
ـ علشان البيت. سكت شوية، وبعدين مسك إيدي جامد رغم ضعفه. وقال:
ـ اسمعيني كويس يا مريم. ـ حاضر. ـ لما يرجعوا... متطرديهمش. بصيتله باستغراب. ـ أعمل إيه؟ـ دخليهم البيت. ـ بس دول...قاطعني:
ـ عارف. وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة.
ـ سيبيهم يتكلموا. ـ يتكلموا في إيه؟ـ سيبيهم يقولوا كل اللي جواهم. سكت لحظات. وبعدين قال:
ـ وسيبيهم يكشفوا نفسهم بنفسهم. أنا وقتها مكنتش فاهمة هو بيقصد إيه. سألته:
ـ وبعدين؟رفع عينه وبصلي مباشرة. وقال:
ـ افتحي أوضتي.
ـ أوضتك؟هز راسه. ـ أيوه. ـ ليه؟ابتسم. ـ هتعرفي لما الوقت ييجي. وفعلًا...الوقت جه. فوقفت في نص الصالة، وبصيت لأبويا وأمي وسارة والعمال. محدش فيهم كان يعرف إني كنت مستنية اللحظة دي. حطيت كيس الزبالة على الأرض. وقلت بهدوء:
ـ حاضر.
أمي استغربت. ـ حاضر إيه؟ـ هلم حاجتي. ابتسمت بانتصار. ـ كويس إنك فهمتي. لكنها مكنتش تعرف...إني مش هلم حاجتي علشان أمشي. كنت هلم حاجتي علشان أنفذ وصية جدي. في اللحظة دي بالذات...سمعنا صوت مفتاح بيتحرك في باب أوضة جدي.
تك...كلنا سكتنا. أبويا لف ناحية الممر. سارة نزلت من على السلم. أمي بصت للباب باستغراب. وببطء...باب أوضة جدي بدأ يتفتح. وأول ما أمي شافت الشخص اللي واقف وراه...كيس الزبالة وقع من إيديها على الأرض. لأن الشخص ده...كان معاه حاجة جدي أخفاها سبعتاشر سنة كاملة.
وحاجة واحدة بس كانت كفيلة إنها تقلب كل اللي حصل في البيت...وتخلي أمي وأبويا يكتشفوا إنهم عمرهم ما كانوا أصحاب البيت أصلًا.…….صوت التكة وهي بتفتح كان أعلى من صوت أي حاجة تانية في البيت، كأنها طلقة رصاص جابت آخر الصالة. أبويا بلع ريقه وبص لأمي، ووشه اتخطف.
أختي سارة وقفت على السلم، شنطتها الغالية اتحشرت تحت إبطها وهي فاتحة بقها بصدمة. وعمال النقل بطلوا حركة، والجو بقى مسحوب منه الهوا. الباب اتفتح للاخر على العتبة، وظهرت "حاجة صبحة".حاجة صبحة.. الجارة العجوزة اللي ساكنة في البيت اللي قصادنا، واللي مكنش فيه خبطة باب في المنوفية دي كلها بتحصل من غير ما تكون هي عارفة تفاصيلها.
بس المرة دي، كانت نازلة من أوضة جدي!كانت لابسة ملاية لف سودة على كتافها، وماسكة في إيديها صندوق قديم، خشب غامق متطعّم بالنحاس، وعليه قفل قديم محكوك. أمي صوتها طلع مِشخْشِخ وهي بتشاور بصدمة: ـ إنتِ... إنتِ كنتِ بتعملي إ ايه جوة أوضة عمي؟ وإيه الصندوق ده؟
ومنين معاكي مفتاحها أصلاً؟!حاجة صبحة مدت رجلها الهزيلة وعدت العتبة، وبصت لأمي بنظرة تقفّل الدم في العروق. نظرة واحدة كفيلة تقول: "أنا كنت مستنياكم على نار".قربت بخطوات بطيئة، والقباقيب الخشب بتعمل صوت "تك تك" على البلاط القديم، لحد ما وقفت في نص الصالة، وحطت الصندوق على الترابيزة اللي كان لسه فنجان شاي جدي مرمي عليها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.