ـ منين معايا المفتاح يا أم سارة؟ حاجة صبحة نطقت الاسم بطريقة خلت أمي ترجع لوروا خطوة كأنها اتلسعت. ـ معاياه عشان المرحوم، الله يرحمه، هو اللي مديهولي بيده.. قبل ما الروح تطلع بساعة!أبويا تقدم خطوة, صوته كان بيترعش بس حاول يداريه بغشومية: ـ عمي؟
! عمي مين يا حاجة صبحة؟ البيت ده بتاعي أنا.. أنا الوريث الشرعي.. وعمي كان راجل كبيـر وخريف.. أكيد كان بيلخبط في كلامه!حاجة صبحة ضحكت ضحكة ناشفة، خلت عروق رقبتها تنط: ـ خريف؟! ده المرحوم كان واعي أكتر منك ومن عيلتك كلها يا أستاذ عادل!
الراجل ده قعد سبعتاشر سنة يربّي البنت اللي أنتوا رميتوها في رجله زي الكيس الفاضي، وفي آخر أيامه، قعد معايا ساعة، كتب فيها كل حرف وكل كلمة. أختي سارة صرخت بصوت حاد: ـ ماما! سيبك من الست دي! دي خرفانة!
كلمي الحكومة.. طرديهم من البيت! البيت ده بتاعنا!محدش تحرك. الكل كان متسمر. أنا كنت واقفة مكاني، حاطة إيدي في جيوب جلابية جدي الكبيرة، وساكتة.. بتابع كل تفصيلة، وزي ما جدي قال لي بالحرف: "سيبيهم يكشفوا نفسهم بنفسهم".
أمي هجمت زي الطير المذبوح على الصندوق، وعايزة تفتحه بإيديها: ـ هاتِ الصندوق ده.. هاتِ هنا.. مفيش ورق ولا زفت هيطلع من البيت ده غير بمزاجنا!حاجة صبحة نطرت إيد أمي بقوة، وقالت بصوت جش وقوي: ـ إياكِ تمدي إيدك!الصندوق ده مش بتاعك.
. ولا حتى البيت ده ملكك من أصله!الكل سكت تمامًا. الجملة نزلت على الصالة كأنها صاعقة. عادل (أبويا) عيونه اتفتحوا على آخرهم، وبص للحاجة صبحة بذهول: ـ إنتِ بتقولي إيه يا ولية إنتِ؟! البيت ده متسجل باسم أبويا المرحوم، وجدي وجده!
اب عن جد!حاجة صبحة مدت إيديها لجيب جلابيتها، وطلعت ظرف أصفر قديم، أصفر من كتر التراب والعمر، ومدته ليا أنا.. مش لأبويا ولا لأمي. ـ خدي يا مريم.. اقري بصوت عالي، عشان أبوكي وأمك اللي نسوا أصلهم يعرفوا هما واقفين فين ومنين.
فتحت الظرف بهدوء، وسط أنفاس أمي المقطوعة، ونظرات الرعب اللي في عين أبويا. طلعت ورقة عقد بيع قديم، مكتوب بخط إيد جدي الله يرحمه، وعليه ختم شهر عقاري قديم جدًا، بتاريخ من سبعتاشر سنة.. اليوم اللي رَموني فيه عند جدي ومشوا.
قريت بصوت هادئ، كل كلمة كانت بتدّق مسمار في نعش غرورهم: ـ "أنا المرحوم الحاج عبدالتواب.. أقر وأنا بكامل قواي العقلية، إني كتبت بيتي كله، وكل ما أملك.. باسم حفيدتي الوحيدة (مريم).. ملكية خالصة، لا حق لأبيها ولا لأمها فيها، جزاءً للي عملوه.
. والبيت ده اتسجل وخلص من سبعتاشر سنة، والورقة دي مع حاجة صبحة.. وممنوع يخرجوا منه إلا لما يعرفوا قيمة اللي باعوه زمان".الصالة بقت تلاجة. أبويا سقط على الكرسي اللي جنب الشباك.. الكرسي اللي كان جدي بيقعد عليه.
وأمي بصت لي، وعيونها مدمعة من الصدمة والغباء اللي وقعت فيه: ـ مريم... إنتِ... إنتِ كنتي تعرفي؟بصيت لها، وعدلت كُم جلابية جدي الواسع على إيدي، وقولت بابتسامة باردة: ـ جدي الله يرحمه.. مبيسبش حاجته لناس تانية يا ماما.. نورتوا بيتكم الجديد!………صوت عياط أمي وهو مكتوم في كف إيديها بقى هو الصوت الوحيد اللي باقي في البيت، مع نَفَس أبويا السريع اللي كأنه جرى مسافة طويلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.