بعد 17 سنة.. رجعوا ياخدوا بيت أبوهم، بس مكنوش يعرفوا إن جدي سايب لهم مفاجأة!حصلت الحكاية في المنوفية، وتحديدًا في بيت جدي الكبير اللي قضيت فيه عمري كله. بعد ما دفنا جدي بيوم واحد بس، لقيت عربية نقل كبيرة واقفة قدام البيت، وراها عربية ملاكي نازلة منها أمي وأبويا وأختي.
سبعتاشر سنة كاملة من غير ما أشوفهم غير في صور قديمة... وفجأة رجعوا. بس مش علشان يعزوني في جدي. رجعوا علشان ياخدوا البيت. أول ما أختي سارة نزلت من العربية، كانت لابسة نضارة شمس كبيرة، وشايلة شنطة غالية، وبصت على البيت من بره كأنها بتعاينه علشان تشتريه.
طلعت السلم، ودخلت من الباب وهي بتقول بكل ثقة:
ـ أنا هاخد أوضة جدي الكبيرة. وقفت أبص لها وأنا مش مصدقة. البيت لسه مليان ريحة العزا. صور جدي لسه متعلقة في الصالة. والكرسي اللي كان بيقعد عليه كل يوم جنب الشباك لسه مكانه.
حتى فنجان الشاي بتاعه كان موجود على الترابيزة، وأنا مش قادرة ألمسه. كنت لابسة جلابية جدي القديمة فوق هدومي من شدة البرد، وفي إيدي كوباية شاي بردت من غير ما آخد بالي. أمي دخلت ورا سارة، بصتلي من فوق لتحت، وقالت ببرود:
ـ إنتِ شكلك تعبان أوي يا مريم.
بصيت لها من غير ما أرد. أصل إيه اللي كنت مستنياه منها؟حضن؟سؤال عن حالي؟حتى كلمة "البقية في حياتك"؟ولا حاجة. أبويا دخل وراها، وبدل ما يقف قدام صورة جدي ويقرأ له الفاتحة، لف ناحية العمال وقال:
ـ يلا يا رجالة، ابدأوا بالأوض اللي فوق.
ننزل العفش القديم الأول. اتجمدت مكاني. العفش القديم؟ده بيت جدي. البيت اللي رباني. البيت اللي عشت فيه من وأنا عندي خمس سنين. البيت اللي كان بالنسبة لي كل حاجة. لكن بالنسبة لهم؟مجرد بيت.
وميراث. وأنا؟ولا حاجة. أمي قربت مني ومدتلي كيسين زبالة سودا كبار. وقالت:
ـ لمي هدومك وحاجتك. بصيت للكيسين في إيدي، وبعدين بصيت لها. ـ هدومي؟قالت بضيق:
ـ أيوه هدومك. إنتِ فاكرة إنك هتفضلي هنا بعد ما أبوكي الله يرحمه مات؟بلعت ريقي.
ـ جدي لسه متدفن امبارح. ردت بمنتهى البرود:
ـ ما إحنا عارفين. وبعدين قربت مني وقالت:
ـ بس لازم تفهمي حاجة يا مريم... إنتِ كنتِ مسؤولية جدك. هو اللي كان واخدك عنده. دلوقتي الراجل مات، والبيت يرجع لأهله. ضحكت ضحكة صغيرة من غير ما أقصد.
أهله؟وأنا كنت إيه طول السنين دي؟ساكنة بالإيجار؟ولا ضيفة؟ولا طفلة اتسابِت عنده واتنسيت؟أنا كنت عندي خمس سنين لما أبويا وأمي جابوني هنا. قالوا لجدي:
ـ هنسيب مريم عندك كام يوم لحد ما نرتب شغلنا ونرجع ناخدها. الكام يوم بقوا سبعتاشر سنة.
سبعتاشر سنة مفيهاش زيارة واحدة. ولا مكالمة في عيد ميلادي. ولا هدية في عيد. ولا حتى سؤال:
"بنتنا عاملة إيه؟"
جدي هو اللي رباني. هو اللي كان بيصحيني الصبح للمدرسة. هو اللي كان بيستنى رجوعي على باب البيت. هو اللي كان بيزرع الطماطم والملوخية في الجنينة الصغيرة علشان نوفر فلوس.
هو اللي كان بيصلحلي شنطتي بدل ما يشتريلي واحدة جديدة. وهو اللي لما كنت بعيط بالليل، كان يقعد جنبي ويحكيلي حكايات لحد ما أنام. أما هما...فافتكروني بعد موته. أختي سارة كانت بتتمشى في البيت، وبتفتح الأوض واحدة واحدة.وفجأة سمعتها بتقول:
ـ ماما! أنا عايزة أوضة جدي. دي أوسع واحدة. أمي ردت من تحت:
ـ خديها يا حبيبتي، براحتك. سارة ضحكت وقالت:
ـ وهغير لون الحيطان كمان. اللون ده كئيب أوي. بصيت للصورة الكبيرة المعلقة لجدي فوق المكتبة. وحسيت بحاجة بتوجعني في صدري.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.