اسم شخص محمود كان دايمًا بيأكدلي إنه مستحيل يتكلم. شخص اختفى من حياتنا من عشر سنين كاملة. شخص محمود دفع فلوس كتير، وعمل كل اللي يقدر عليه، عشان يضمن إن محدش يعرف هو شاف إيه، أو سمع إيه، أو عمل إيه في الليلة المشؤومة دي.
ناول أحمد المظروف للقاضي. القاضي فتحه بهدوء، وبدأ يقرأ أول سطر. لكن مع كل كلمة كان بيقراها، ملامح وشه كانت بتتغير. لحد ما رفع عينيه فجأة، وبص ناحية محمود، وبعدها لف ناحية أمين الشرطة الواقف عند باب القاعة وقال بصوت حاسم:
— يا أمين الشرطة… اقفل الأبواب!
في ثانية واحدة، كل اللي في القاعة سكتوا. محمود رجع لورا خطوتين، وخبط في الكرسي اللي وراه. ورانيا سابت إيده من غير ما تحس. أما أنا…
ففضلت واقفة مكاني، ببص للمظروف اللي كان أخيرًا هيكشف الحقيقة اللي استنيت عشر سنين عشان تظهر. مين الشخص اللي كان اسمه مكتوب على المظروف؟
وإيه السر اللي محمود قضى عشر سنين بيحاول يدفــ,,ـــــنه، حتى لو اضطر يسرق مراته ويزوّر إمضتها ويدمر سمعة أبوها؟وليه رانيا، أول ما شافت المظروف، بقت عايزة تهرب من المحكمة بأي تمن؟كل ده لسه البداية…
لأن المفاجأة الحقيقية مكنتش في الورق اللي القاضي قراه.
المفاجأة كانت في التسجيل الصوتي اللي أحمد حطه قدامه بعدها بثواني…
تسجيل بصوت محمود نفسه، وهو بيعترف بكل حاجة!واللي اتقال فيه، كان كفيل إنه يقلب القضية من قضية طلاق وتقسيم ممتلكات… لقضية أكبر بكتير، محدش في القاعة كان مستعد يسمع تفاصيلها!…….
القاضي رفع عينه عن الورق، ورمى النظارة على المنضدة ببطء شديد، وصوته رن في القاعة وكأنه مطرقة: — الأستاذ محمود الشناوي... تقرب إيه للمرحوم «المهندس كمال العدوي»؟محمود بلع ريقه بصعوبة، وعروق رقبته بارت وظهر عليها العرق مع إن المكيف كان شغال ببرودة عالية: — أ.
.. أبو مراتي يا سيادة المستشار... الله يرحمه.— الله يرحمه فعلاً! رد القاضي بنبرة حادة، وفتح المظروف أكتر وطلع منه شريحة ذاكرة صغيرة «ميموري كارد»، وحطها قدام الفني الواقف جنب المنصة. — التسجيل ده وصلني من ساعة بالظبط عن طريق محامي المدعية.
صوتك واضح فيه يا محمود بيه، وأنت قاعد في مكتبك بتقول لשותريك في السرقة: "أنا خلصت من ورق شركة العجوز، وكتبت كل حاجة باسمي، وكمان شوية هخلص من البنت دي وأوديها في داهية بموضوع المصحة النفسية، عشان الميراث كله يبقى في جيبي أنا ورانيا لوحدنا.
. ومحدش هيقدر يفتح بقه بحرف!"القاعة كلها اتجمدت. رانيا بصت لمحمود بعيون مرعوبة وبصوت مهزوز: — إيه ده؟ هو أنت متسجل لك؟ يا غبي!محمود اتجنن، وصرخ بأعلى صوت وهو بيشاور على أحمد المحامي: — ده تلفيق! دي فبركة بالذكاء الاصطناعي! الأوراق دي سرقة!
البنت دي بتلعب في عداد عمرها!أحمد وقف بهدوء، وعدل نظارته، وقال بصوت ثابت وواثق: — سيادة المستشار، الميموري ده مش ملف صوتي عادي، ده متوثق ببصمة صوت رسمية من مباحث الإنترنت، ومعاه تقرير فني يثبت إنه حقيقي مية في المية، ومش بس كده... الشخص اللي محمود بيه كان فاكر إنه اشتراه وسفره بره البلد للأبد، قاعد بره في الاستراحة مستعد يدخل يشهد برغبته الكاملة.
— مين؟! كلمة طلعت من بق محمود غصب عنه، وهو بيبص حواليه كأنه شايف عفاريت. فتح باب القاعة الجانبي، ودخل راجل خمسيني أشيب، ووشه مليان علامات الزمن والندم.
بص لمحمود نظرة واحدة، وقال بصوت مقهور: — أنا يا محمود بيه... «عم سعيد»، الساعي اللي كنت بتبعتني أحط المخدر في عصير الحاج كمال ليلة ما مات، وأنت اللي أمرتني أسرق ورق التنازل وأديهولك مقابل مبلغ كنت فاكر إنه هيشتري ضميري!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.