المحامي كمل من غير ما يرف له جفن:
— لدينا تقارير وتقييمات طبية بتثبت عدم استقرار حالتها، بالإضافة إلى مستندات مالية وعقود ملكية تؤكد إن معظم الممتلكات مسجلة باسم شركات يملكها موكلنا. وبدأ يعرض ورقة ورا التانية. الفيلا اللي عشنا فيها سنين، واللي كنت فاكرة إنها بيتنا…
بقت فجأة ملك شركة محمود مسيطر عليها بالكامل. حساباتنا المشتركة اللي كنت بحوش فيها من يوم ما اتجوزنا…
اتنقلت واتصفرت. وحتى شركة أبويا، الراجل اللي بناها بطوبة فوق طوبة، واللي قضى عمره كله عشان يسيبهالي من بعده…
بقت مسجلة في الأوراق باسم محمود لوحده!
كنت قاعدة مكاني، سامعة كل كلمة، وحاسة إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي. مش لأن الكلام حقيقي…
لكن لأن كل حاجة كانت متجهزة بعناية عشان تبان حقيقية. كل ورقة عليها توقيع باسمي. كل عقد عليه إمضتي. كل تحويل بنكي معمول كأنه تم بموافقتي.لكن الحقيقة إن الإمضا دي مش إمضتي!
ولا عقد من العقود دي أنا مضيت عليه. رفعت عيني ناحية محمود، فلقيته باصصلي بانتصار. مال ناحيتي وهمس:
— إيه يا حبيبتي؟ ساكتة ليه؟ مش عندك حاجة تقوليها؟ ولا هتفضلي تمثلي دور الضحية كالعادة؟رانيا ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت وهي بتبصلي من فوق لتحت:
— يمكن لسه مستوعبتش إنها خسرت كل حاجة!كنت هرد…
لكن المحامي بتاعي، «أحمد»، حط إيده بهدوء على الملف الجلدي القديم اللي كان قدامه، وقال بصوت واطي:
— اهدي يا مدام ليلى. متديهمش الفرصة اللي مستنيينها. بصيتله. كان طول الجلسة ساكت، ولا فتح الملف اللي قدامه مرة واحدة.
ملف جلدي بني قديم، أطرافه متآكلة، ومقفول بقفل صغير. من أول ما دخلنا المحكمة، وأنا عارفة إن أحمد مخبي حاجة جواه. حاجة كان رافض يتكلم عنها، مهما سألته. لكني وثقت فيه. لأني لأول مرة من عشر سنين، كنت عارفة إن عندي حد واقف في صفي فعلًا. عدت الدقايق ببطء شديد.
محامي محمود خلص مرافعته، وطلب من المحكمة الحكم لصالـح موكله في كل الطلبات المقدمة. وبعدين القاضي بص ناحيتي وقال:
— اتفضلي يا مدام ليلى، المحكمة سامعاكي. قمت من مكاني. إيديا كانت ساقعة، وقلبي بيدق بسرعة، لكن صوتي طلع ثابت على غير عادتي.مديت إيدي ناحية أكمام البلوزة اللي كنت لابساها، وبدأت أرفعها واحدة واحدة.
في اللحظة دي…
ابتسامة محمود اختفت!وشه اتغير، وعينيه اتسعت، وكأنه شاف حاجة مستحيل تكون موجودة. همهمة خفيفة انتشرت في القاعة. القاضي مال بجسمه لقدام وقال باستغراب:
— مدام ليلى، إنتِ بتعملي إيه؟
حطيت إيديا الاتنين على الحاجز اللي قدامي، وبصيت مباشرة في عيني جوزي اللي عشت معاه عشر سنين. وبصوت واطي، لكنه وصل لكل اللي في القاعة، قلت:
— سيادة المستشار… أنا شايفة إن الجلسة دي مبقتش مجرد قضية طلاق. ساعتها، أحمد فتح الملف الجلدي القديم.محمود قام من مكانه فجأة، لدرجة إن الكرسي اتحرك لورا بصوت عالي.
صرخ:
— لا! استنى يا سيادة المستشار! أرجوك متسمعش كلامها!القاضي بصله بحدة:
— اقعد مكانك يا أستاذ محمود! إنت في محكمة!لكن محمود مكنش سامع حد. كان باصص على الملف المفتوح قدام أحمد، ووشه بقى شاحب بشكل مخيف.
أما رانيا…
فإيدها اللي كانت ماسكة دلاية جدتي اتجمدت مكانها. ولأول مرة من ساعة ما دخلت القاعة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها. الخوف اللي مفيش غرور يقدر يخبيه. أحمد طلع من الملف مظروف أبيض كبير، عليه ختم أحمر، واسم مكتوب بخط واضح على الوش.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.