المخبز منى السيد ١

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

حكايات مني السيد حصري كان فاضل تمانية دقايق بالضبط وأقفل المخبز، وفجأة الباب بدأ يترزع كأن اللي برة بيستغيث ودا آخر أمل ليه في الدنيا. ليلة شتا تقيلة والدنيا بتمطر تلج في شوارع المعادي، والشارع كان مقطوع مفيهوش صريخ ابن يومين، والهوا بيخبط في الفاترينة الزجاج بصوت يخوف. كنت طفيت نص النور وبحسب إيراد الدرج لما سمعت تلات خبطات ورا بعض أبوس إيدك، افتحي!

قربت من الباب وبصيت. كان راجل واقف برة، في أوائل الأربعينات كدة. لا لابس جاكيت ولا كوفية، لابس قميص كحلي غرقان مية ولازق على جسمه، وبنطلون قماش شيك وجزمته متبهدلة طين ومية، وشفايفه زرقا من السقعة. فتحت الباب على طول من غير تفكير. ادخل يا أستاذ، ادخل بسرعة! خطى خطوتين ورجليه خانته، فمسك في ضهر الكرسي عشان ما يقعش. أنا.. أنا ممعيش ولا مليم.

اقعد بس الأول. محفظتي وموبايلي راحوا، مش هعرف أشتري حتى رغيف عيش ناشف. وأنا مسألتكش جيبك فيه كام! سندته وقعدته على ترابيزة قريبة من بيت النار الكبير بتاع الفرن، وجبت بطانية صوف قديمة رميتها على كتافه، وشغلت الدفاية الشمعة الصغيرة اللي بنسيبها للمساء وقربتها منه. كانت إيديه بتترعش بطريقة تخليه مش عارف حتى يضم صوابعه على بعض. إنت بقالك كتير في الشارع والسقعة دي؟ مش عارف. نص ساعة مثلاً؟ هز راسه بلا.

ييجي أكتر من ساعة. دخلت جوة، سخنت له مج سحلب سخن مولع، وطلعت قرصتين بالعجوة وسمنة بلدي من اللي كانوا لسه خارجين من الفرن العصر. رجعت وحطيتهم قدامه، فضل باصص للمج كأني حطيت قدامه دهب وياقوت. قولتلك مش هعرف أدفعلك تمن الحاجة دي. ما أنا سمعتك خلاص. طب بتعملي معايا كدة ليه؟ زقيت الطبق ناحيته عشان إنت قاطع النفس من السقعة وجسمك متلج.

. سمي بالله وكُل. مسك المج بإيديه الاتنين عشان يدفيهم، وبعد كام دقيقة الوش الشاحب بدأ يرجع له شوية دم، وقالي إن اسمه إيهاب.. ومقالش أكتر من كدة حرف. أنا بقى ليلى البنا، عندي 32 سنة، والمخبز دا كان بتاع ستي أمينة وفضل مفتوح أكتر من 41 سنة.. أنا اتعلمت أقرّص العيش وأنا واقفة على طشت مقلوب عشان مكنتش طايلة طبلية العجين.

لما ستي ماتت، سابتلي المخبز ووصية واحدة مكتوبة على كارت كرتون أصفر لسه معلقاه جنب درج الفلوس سُوق الخير وسكّت السؤال.. ساعد الأول وبعدين اسأل. إيهاب رفع عينه وقرا المكتوب. إنتي بتعملي كدة علطول؟ بعمل إيه؟ بتدخلي وتأكلي أي حد غريب يجيلك كدة؟ ستي الله يرحمها كانت تقول معدن البني آدم بيبان في معاملته للي مفيش من وراه مصلحة.

إيهاب بطل يشرب، وبصلي بصه غريبة للحظات، ملامحه كلها اتغيرت وقال ستك دي شكلها كانت ست واعية ومربياكي صح. واعية وبتفهم في الأصول، بس كانت بتلسوع بمغرفة الخشب لو حد غلط في وزن الرغيف! ضحك.. ودي كانت أول مرة أشوفه بيضحك. ضحكة صغيرة وتعبانة، بس طالعة من قلبه. بعدين عرفت إن الليلة دي كانت بالذات الذكرى السنوية لوفاة والدته، بس وقتها مقالش ربع كلمة، فضل قاعد ساكت جنب الفرن لحد ما الدفا سرى في عظمه وبطل يترعش.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق