مرت الأيام، ووصلتها ورقة طلاقها لحد عندها من غير شوشرة. نفذ وعده لما لقى إن سكوتها هو الأمان الوحيد لمشروعه وفلوس أبوه، وهي نفذت وعدها بكل كبرياء؛ ما نطقتش بحرف واحد، ولا جابت سيرة لمخلوق عن الصفقة الرخيصة اللي كان بطلها.لما عمها سألها عن سبب الطلاق المفاجئ، اكتفت بابتسامة هادية وقالت: “قسمة ونصيب يا عمي، مفيش نصيب نكمل”.
قفلت الصفحة دي تمامًا، وقررت تتعامل مع الفترة دي من عمرها كأنها حلم مزعج فوقيت منه، أو كأن الراجل ده مادخلش حياتها من الأساس. صحباتها المقربين كانوا بيحرضوها على الانتقام، ويقترحوا عليها خطط عشان تهد له مشروعه وتكشف حقيقته قدام أبوه، لكنها كانت بتهز راسها برفض قاطع وتقولهم:
ـ اوقات الانتقـ,ـام بياكل صاحبه… بيمتلك روحه ويخليه يعيش في ضلمة وغل، وأنا مش هضيع يوم واحد من عمري الفاضل في حروب مع شخص ميسواش.
أنا أولى بكل دقيقة وبكل طاقة جوايا عشان أبني نفسي من جديد.كانت عارفة إنها مش محتاجة تحـ,ـارب، لأن في قانون في الكون مبيخيبش أبدًا. سابت كل الوجع، وكل الإهانات، وكل الخذلان لربنا… كانت بتنام وهي مطمنة ومسلمة قلبها لعدل ربنا، وعارفة إن الدنيا دوارة، واللي بيتبني على كسرة قلوب الناس، مبيعيش صاحبه فيه متهني.
بدأت تركز في شغلها، في ضحكتها اللي غابت، وفي طريقها الجديد. نزلت الشارع وهي رافعة راسها، ملامحها الشاحبة رجع لها النور، وخطواتها بقت أسرع وأقوى. كانت ماشية وهي حاسة بخفة غريبة في قلبها، كأنها اتخلصت من حمل تقيل كان كابس على نفسها لسنين، والمرة دي… كانت متأكدة إن اللي جاي بتاعها هي وبس.وبالفعل، دارت الأيام والشهور، وبقت الرواية القديمة مجرد سطر اتمسح من دنيتها.
رجعت لشغفها، لضحكتها، ولحياتها اللي كانت مأجلاها عشان ترضي حد مبيشبعش. كل نجاح كانت بتحققه في طريقها الجديد، كان بيديها إحساس إنها انتصرت لنفسها بأشيك طريقة ممكنة… بالنجاح والنسيان.وفي يوم وهي ماشية في وسط البلد، لمحت من بعيد يافطة كبيرة عليها اسم شركته والمشروع اللي باعها عشانه. وقفت لحظة، وبصت لليافطة ببرود تام. مفيش في قلبها ذرة غل، ولا ندم، ولا حتى رغبة في العتاب.
ضحكت من قلبها وهي بتفتكر أد إيه كانت فاكرة إن اليافطة دي هي نهاية العالم، واكتشفت إنها كانت مجرد بداية لعالمها الحقيقي.وهي بتلف وشها عشان تكمل طريقها، سمعت صوت دوشة وسيرة مألوفة من اتنين موظفين خارجين من المقر. واحد منهم كان بيقول للتاني بصوت واطي:
ـ “يا عم الشركة خلاص بتصفي، الشريك الجديد ضحك عليه وأخد الأسهم كلها، وأبوه لما عرف الحقيقة شال إيده من التمويل تمامًا… الراجل ده مابقاش حيلته حاجة!
”
سمعت الكلام، ومشت… ما وقفتش عشان تشمت، ولا حاولت تسأل عن التفاصيل. عدل ربنا جه في وقته ومن غير ما تدوس على طرف حد أو تتلوث بإنتـ,ـقام رخيص. الدنيا دارت، واللي بنى نجاحه على كسر القلوب، لقى نفسه في الآخر واقف لوحده وسط حطام أنانيته.سحبت نفس طويل من الهوا النقي، وعدلت شنطتها على كتفها، وكملت مشيها بخطوات واثقة وسريعة، والمرة دي وهي باصة قدامها وبس… للبداية الجديدة اللي صنعتها بإيدها وكرم ربنا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.