أحمد اتخض وقرب مني: — مريم! مالك؟! بصيت للفرش تحتيا… كان فيه نقط دم حمراء بدأت تبان. حملي الأول… الحلم اللي استنيته عشر سنين وكنت حاسة إنه العوض، كان بيضيع مني في نفس اللحظة اللي بتنهار فيها حياتي كلها. أحمد صرخ بذهول: — دم؟! مريم إنتِ بتنزفي! مسكت في إيد السر,,ـــــير وأنا بأعيط من كثرة الوجع والكسرة: — اطلب الإسعاف… اطلب الإسعاف يا أحمد… أحمد مسك الموبايل بإيد بترتعش، لكن وهو بيبصلي وبيسجل الرقم، عينيه راحت على الشنطة والأوراق اللي على السر,,ـــــير… وظهرت في عينيه فكرة أمل جشع في وسط الكارثة.
وقف وما اتصلش، وبصلي بصوت واطي ومريب: — هوديكي المستشفى حالاً يا مريم… بس الأوراق دي… والاعتراض ده… لازم يختفوا الأول. الدم كان بيسيل على رجلي والوجع بيقطع في بطني، وفي اللحظة اللي كنت فيها بمــ,,ـــــوت ببطء وبفقد أملي الوحيد في الحياة بعد انتظار عشر سنين، كان أحمد واقف فوق رأسي، عينيه مش عليا ولا على الدم، عينيه كانت معلقة على الورق المطبوع من شركة التأمين والشنطة المفتوحة على السر,,ـــــير.
مسك أوراق التأمين من على السر,,ـــــير بسرعة وجشع، وحطهم في جيب جاكيتته، وقرب مني وهو بيتظاهر بالخوف والمرحمة، ويمد إيده عشان يشيلني: — قومي يا مريم… هوديكي المستشفى فوراً، بس أوعديني… أوعديني لما نقوم من الكارثة دي إننا هنقفل الموضوع ده ونحل كل حاجة بيننا ونسحب الاعتراض! صرخت في وشه بكل ما فيا من قوة وعافية، صرخة طلعت من أعمق نقطة وجع في قلبي: — أبعد عني!
إياك تلمسني يا خاين! مش هسحب حاجة… ولو أمــ,,ـــــوت هنا مش هاخد منك مساعدة! أحمد اتوتر، وبدأ ينظر حواليه برعب. الصوت كان عالي، والدم بيزيد. أدرك إن لو جرالي حاجة في الشقة، الفضيحة والشرطة هتوصل له قبل موضوع التأمين حتى. مسكني بالعافية وشالني وأنا بقاومه وبزقه بإيديا الضعيفة. نزلت السلالم وأنا في شبه غيبوبة، غارقة في الوجع والنزيف، وركبني الكرسي اللي جنب السائق في العربية، وطار على أقرب مستشفى.
طوال الطريق، كان بيسوق بجنون، إيد على الدريكسيون وإيد بتتحسس جيبه للتأكد إن أوراق التأمين معاه. كان بيلتفت لي كل ثانية ويقول بصوت متوتر: — استحملي يا مريم… قُربنا نوصل… كل حاجة هتبقى كويسة… الأطفال يروحوا وييجي غيرهم، المهم إحنا ونفسنا!كلمة “الأطفال يروحوا وييجي غيرهم” نزلت عليا زي الصخرة. طفلي اللي استنيته عشر سنين، اللي كنت بدعي بيه في كل صلاة، كان بالنسبة له مجرد ورقة ضغط يساوم بيها!
وصلنا المستشفى. الطوارئ اتحركت بسرعة أول ما شافوا حالة النزيف الشديدة. شالوني على النقالة وجريوا بيا على غرفة العمليات والفحص العاجل. أحمد كان ماشياً ورا النقالة، لكن قبل ما يدخلوني، مسك إيد الدكتورة وقدم لها نفسه بأنه الزوج، وقال لها بنبرة خبيثة: — دكتورة… أرجوكِ اعملي اللازم، ومفيش داعي للبلاغات أو إدخال التأمين دلوقتي، أنا هدفع كل حاجة كاش!
سمعته وهو بيقول كاش عشان يمنع اسمي ورقمي القومي من التسجيل في نظام المستشفى دي بالذات، عشان ما يتربطش بأي اعتراض قديم! جوه غرفة الفحص، الدكتورة بدأت تنفذ الإجراءات السريعة، وأنا بحاول أتمسك بوعيي. مسكت إيد الدكتورة وقلت لها وأنا ببكي بنهجان: — دكتورة… أرجوكِ… التليفون… عايزة أكلم أهلي… الدكتورة بصت لي بعطف وقلق: — اهدي يا مدام مريم، إحنا بنعمل اللازم عشان نوقف النزيف وننقذ الجنين لو فيه أمل… — أرجوكِ يا دكتورة… تليفوني بره في شنطتي مع جوزي… اتصلي بأخويا… ده رقمه… مليتها رقم أخويا “عمر” بالعافية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.