. وبدأ ياكل. أكل أول معلقة.. والتانية.. والتالتة. كان بياكل بنهم، كأنه بيمسح 8 أيام من الجوع، أو بيمسح 30 سنة من القسوة والحرمان. أكل الطبق كله لحد آخر نقطة شوربة، ومسح وشه بالفوطة وهو بياخد نفس عميق، أعمق نفس أخده من سنين. وفجأة.. تليفون ليث رن. ليث رد بسرعة، وملامحه اتحولت لغضب مكتوم.
قرب من جابر وهمس في ودنه: — «يا باشا.. التقرير المبدئي من المعمل الجنائي وصل بخصوص ريزوتو "بولي".» جابر رفع عينه ببرود حاد.. البرود القاتل رجع لوشه تاني، بس المرة دي كان صافي ومفيهوش خوف: — «قالوا إيه؟» ليث بص للمطعم ولعم صبري وليّ، وقال بثبات: — «السم مكنش في الأكل يا جابر.. السم كان مدهون على حروف أطباق الخزف الجديدة اللي الشيف اشتراها الأسبوع اللي فات. المادة بتدوب مع سخونة الأكل وبتنزل فيه.
. والطباخ لما داق الأكل داقه بمعلقة من غير ما يلمس جدار الطبق!» جابر سكت ثانية.. وبعدين ابتسم ابتسامة مرعبة: — «والأطباق دي مين اللي دخلها القصر يا ليث؟» ليث بلع ريقه وقال بصوت واطي: — «سليمان.. أخو بولي الكبير.» جابر وقف بثبات، كأنه ما كانش مريض ولا جعان من دقايق. القوة والأناقة والهيبة رجعوا له في لحظة واحدة.
بص لليث وقال: — «هات سليمان على المخزن القديم.. والقصة دي تنتهي الليلة.» وبعدين التفت ليّ.. قرب مني، وطلع من جيب جاكيته منديل قماش غالي، ومسك إيدي وحط فيه مفتاح فضة قديم جداً. — «ده مفتاح الشقة رقم 4.. صح؟» أنا هزيت رأسي بصدمة: «أنت جبت المفتاح ده منين؟» جابر ابتسم بوجع: — «المفتاح ده كان في رقبتي وأنا صغير وسقط مني ليلة الحريق.. روزا كانت شايلاه معاها. أنتِ رجعتِ لي أمي يا نور.
. ورجعتِ لي عقلي.» التفت لليث وقال بصوت قاطع: — «من النهاردة.. المطعم ده وصاحبه والبنت دي تحت حمايتي الشخصية. أي حد يمس شعرة من نور، يعتبر نفسه فتح باب جهنم على نفسه.» وبص لعم صبري اللي كان هيغمى عليه من الفرحة والخوف: — «المطعم ده هيتقفل من بكرة.. وهيتحول لأكبر مائدة رحمان ومطعم مجاني للفقراء في المدينة كلها باسم "روزا".. وأنت يا عم صبري مدير المكان وبمرتب هيخليك تعيش ملك.» وبعدين بص ليّ وعينيه فيها حاجة جديدة.
. حاجة شبيهة بالأمل: — «وأنتِ يا نور.. امتحانات التمريض بتاعتك هتخلص، ومن بكرة فيه حراسة هتأمنك من بعيد لبعيد. ولما تخلصي.. مستنيكي تديري المؤسسة الطبية اللي هبنيها باسم أمي.» سحب جابر جاكيته، ومشي ناحية الباب. وقبل ما يفتح الباب ويخرج في المطر، بص لي وابتسم: — «الجمعة الجاية.. هكون مستني نفس الطبق، بس في بيتي.
. ماشي يا نور؟» أنا ابتسمت وهزيت رأسي: — «ماشي يا جابر.. من غير سم، ومن غير خوف.» خرج جابر ح Hayes ورجاله، وصوت العربيات اتلاشى في العتمة.. ورجع الهدوء للمطعم الصغير، بس المرة دي.. ريحة اليخنة مكنتش مجرد ريحة أكل، كانت ريحة حياة جديدة بدأت من وسط الظلام. تمت
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.