أنا اتجمدت في مكاني. ركبي كانت بتخبط في بعضها من الخوف، بس الاسم وقع عليا زي الصاعقة. — «أنت.. أنت تعرف أبلة روزا؟» جابر زق الكرسي لورا بصوت خشب حاد هز المكان. وقف على حيله بالعافية، وطوله وهيبته غطوا عليا. رجاله كلهم إيديهم جرت على جرابات سلاحهم تحت الجواكت، ليث اتقدم خطوة وعينيه زي الصقر: — «فيه إيه يا باشا؟ البنت حطت حاجة في الأكل؟
» جابر رفع إيده بجمود، وخرّش صوته وهو بيزعق بنبرة تخرّع: — «حدش يتحرك! ارجعوا ورا.. كلكم!» ليث والرجالة رجعوا خطوة لورا باستغراب وصدمة، عم صبري ورا باب المطبخ كان بيترعش ويدعي تحت ضرسه. جابر قرب مني، مسافة خطوة واحدة كانت بيني وبينه. ريحة الخوف والمطر والبارفان الغالي مع ريحة القرفة والزعتر الطالعة من الطبق عملوا ميكس غريب. نزل لعينيّ وقال بصوت واطي ومبحوح: — «أنتِ مين؟
والأكلة دي.. مين علمها لك؟ الأكلة دي محدش في العالم كله بيعملها بالسر ده.. برشة القرفة وطريقة تحمير الثوم دي.. غير ست واحدة بس. ست ماتت من 30 سنة!» بلعت ريق بالعافية وقلت وأنا بحاول أثبت صبيان صوتي: — «أبلة روزا ماماتتش من 30 سنة يا جابر بيه.. أبلة روزا عاشت في الشقة رقم 4 في الحارة القديمة.
. هي اللي ربتني وأمي شغالة، وهي اللي علمتني أطبخ لما كنت صغيرة. وماتت من سنتين بس..» أول ما قلت "الشقة رقم 4".. جابر مسك في طرف الترابيزة بكل قوته لحد ما عروق إيده الزرقاء برزت وبقت هتفرقع. وشه الشاحب بقى أبيض زي الطباشير. — «ماتت من سنتين؟» كرر الكلمة بذهول.. «أنا.. أنا كان يتقال لي إنها اتقلت في الحريق اللي ولع في بيتنا وأنا عندي 8 سنين!
كان يتقال لي إن عيلة "العطار" مسحوا عيلتي كلها عشان ياخدوا أرض الميناء!» ساعتها بس، كل المكعبات الدبش في دماغي بدأت تترتب. أبلة روزا.. الست العجوزة الطيبة اللي كانت دايماً تقعد قدام الشباك تبص للشارع وتعيط، الست اللي كانت كل يوم جمعة تعمل نفس طبق اليخنة ده وتطفي النور وتقول لي: "يمكن يرجع يا نور.. يمكن ابن قلبي يشم الريحة ويرجع".
بصيت لجابر وقلت له بدموع حقيقية: — «هي ماماتتش في الحريق.. أبلة روزا هربت بيك وبأختك، بس لما النار مسكت في البيت، الناس أخدوك أنت وهي افتكرتك ماتت. هي عاشت طول عمرها فاكراك متّ في الحريق، وما حيلتهاش غير الذكرى دي.. وكانت بتعمل الطبق ده كل جمعة وتقول لي ده أكل "جابر" المفضل!
» جابر حط إيده على وشه، ولأول مرة.. الراجل اللي يهز المدينة كلها بكلمة، انهار وقعد على الكرسي، وظهرت شهقة مكتومة من صدره. الرجالة بتوعه كانوا باصين لبعض بذهول مش مصدقين إن زعيمهم بيعيط قدام بنت شغال نادلة في مطعم شعبي. أنا نزلت لمستواه، ومن غير ما أفكر في الخطر، حطيت إيدي على كتفه: — «روزا كانت بتحبك أوي يا جابر.. وكانت عارفة إنك عايش في مكان ما.
وكانت دايماً تقول لي: لو قبلتي راجل عينيه مليانة قسوة بس جوه قلبه طفل خايف.. اعملي له اليخنة دي، ورجعي له روحه.» جابر رفع راسه، وبص للطبق.. وبدأ ياكل. أكل أول معلقة.. والتانية.. والتالتة. كان بياكل بنهم، كأنه بيمسح 8 أيام من الجوع، أو بيمسح 30 سنة من القسوة والحرمان. أكل الطبق كله لحد آخر نقطة شوربة، ومسح وشه بالفوطة وهو بياخد نفس عميق، أعمق نفس أخده من سنين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.