الساعة كانت حوالي تسعة بالليل لما نزلت السلم وأنا بسحب الشنطة ورايا. أحمد كان قاعد على الكنبة بيتفرج على ماتش كورة. رفع عينه وبصلي.— «إنتِ ماشية دلوقتي؟»قلت:— «أيوه.»ابتسم ابتسامة باردة.— «كويس... أحسن كده.»مشيت ناحية باب الشقة. مسكت الأوكر بتاع الباب.
قبل ما أفتحه، سمعت صوته من ورايا:— «منى... بصراحة، أنا شايف إن ده أحسن حل لينا كلنا.»وقفت لحظة. بس ما بصيتش ورايا. فتحت الباب ومشيت. ولا كلمة. ركبت عربيتي، وسقت لحد فندق هادي في وسط القاهرة.
دخلت الفندق وأنا مش حاسة برجلي. الموظف خلص إجراءات الدخول، وطلعت أوضتي. أول ما قفلت الباب ورايا، حسيت بهدوء غريب. الأوضة كانت ريحتها كلور وتكييف قديم. حطيت صورة ابني على الكومودينو جنب السرير. بصيت لها وقلت بصوت مكسور:— «وحشتني يا حبيبي... وحشتني أوي.»قعدت على طرف السرير، وبعد شوية فتحت الشنطة عشان أطلع هدوم أغيرها.
لكن إيدي لمست حاجة جوه الجيب الجانبي. حاجة تقيلة. طلعتها. ظرف بني كبير. فتحته. ولما شفت اللي جواه، اتجمدت. كانت أصل عقد ملكية البيت. مسكته بإيدي وبدأت أقرأ. البيت ده أنا اللي اشتريته من ست سنين.
..قبل ما أعرف أحمد أصلًا. كنت دافعة تمنه من جزء كبير من الميراث اللي سابهولي جدي. رجعت بصيت على أول سطر في العقد. المالك: منى عبد الرحمن. اسمي أنا. لوحدي. البيت عمره ما كان باسم أحمد. إحنا عشنا فيه تمن سنين كزوجين، لكن الملكية كانت باسمي من قبل الجواز.
فضلت أقرأ العقد سطر سطر. وفجأة افتكرت حاجة. حاجة وقتها ماكنتش شايفة إنها مهمة. من كام شهر، وإحنا في المستشفى جنب ابني، أحمد كان بيسألني بشكل غريب جدًا:— «أوراق البيت الأصلية فين يا منى؟»وساعتها سألني كمان عن أوراق الميراث، وعقود الملكية، وكل المستندات المهمة.
كنت فاكرة إنه بيسأل عادي. لكن دلوقتي...كل حاجة بدأت تاخد معنى مختلف. قفلت الظرف وحطيته قدامي على السرير. ولأول مرة من ساعة ما ابني مات...حسيت بحاجة غير الحزن. حسيت بالخوف. لأن سؤال واحد بدأ يلف في دماغي:أحمد كان مستعجل يطردني من البيت ليه؟وليه كان عايزني أخرج في نفس اليوم اللي دفنا فيه ابني؟والأخطر من كل ده...إيه اللي كان خايف إني أكتشفه؟…………فتحت الشنطة تاني، وبدأت أطلع الأوراق اللي حطيتها بسرعة وأنا قلبي بيدق جامد في صدري.
وسط التقارير الطبية وفواتير المستشفى، لقيت ملف بلاستيك قديم كنت حاطة فيه شوية ورق قديم من ايام ما اشتريت الشقة. طلعت الورق، وبدأت اقلب فيه صفحة صفحة تحت نور الاباجورة الضعيف اللي فوق السرير. كان فيه وصل لدفعة المقدم، وعقد المبدئي، وفجأة عيني جت على ورقة تانية مكنتش واخدة بالي منها.
.. توكيل عام رسمي. فتحت عيني على الآخر، وطلعت الورقة دي وربطتها بالنور عشان أشقر الكلام بخوف:ـ "توكيل عام رسمي شامل في البيع والشراء لنفسه وللغير.
.. صادر لـ أحمد محمود إبراهيم."الورقة دي كانت متوقعة وممضية مني من سنتين تقريبًا، في الفترة اللي كنت فيها تعبانة جدًا بعد ولادة ابني الأول وعمليات النزيف، وقتها أحمد جابلي ورق كتير عشان أمضي عليه وقال لي إن دي أوراق تخص المحامي عشان التأمين الطبي ومصاريف المستشفيات وأنا من تعبي مضيت من غير ما أركز!رميت الورقة من إيدي كأنها دبتني، ودموعي نزلت بس المرة دي مش من الحزن على ابني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.