في صباح يوم جلسة المحاكمة الجنائية، ارتديتُ ملابسي بوقار وثبات. لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تتردد أو تخاف المجهول، بل امرأة أدركت قيمتها وعرفت كيف تأخذ حقها بالقانون. توجهنا إلى محكمة الجنايات، وكانت القاعة غاصة بالمحامين، والضباط، والأهالي. جلسنا في المقاعد الأمامية بحضور الأستاذ رفعت وعمر. وبعد فترة قصيرة، دخل المتهمون إلى قفص الاتهام الحديدي.
كان أحمد يقف خلف القضبان، وشه شاحب للغاية، ملابسه رثة، ونظراته تائهة بين الحاضرين. كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها داخل القفص، ولم أشعر تجاهه بأي شفقة؛ بل بيقين تام بأن العدالة تأخذ مجراها الطبيعي. افتُتحت الجلسة، ونادى رئيس المحكمة برقم القضية. وقف ممثل النيابة العامة وألقى خطبة اتهام حاسمة، شرح فيها تفاصيل التزوير والاستيلاء على أموال التأمين، واستغلال بياناتي الشخصية، ومحاولة النصب بتزوير التوقيع على التفويض الباطل.
استعرضت النيابة كافة الأدلة المادية: تقرير خبراء التزييف والتزوير من الطب الشرعي الذي أثبت قطعياً أن “التفويض” تم طباعته فوق التوقيع لاحقاً، وشهادات موظفي التأمين والمستشفى، إضافة إلى المستندات والتحويلات المالية المرفقة. ثم جاء دور الأستاذ رفعت، الذي ترافع ببراعة واقتدار، موضحاً حجم الضرر النفسي والجسدي والمالي الذي لحق بي، ومطالباً بتوقيع أقصى العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات ليكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه استغلال أقرب الناس إليه والتعدي على حقوقهم الرسمية والمالية.
حاول محامي أحمد تقديم دفاع أخير، يرتكز على التوسل واستعراض الظروف الاجتماعية، محاولاً التخفيف من حدة الجرائم، لكن هيئة المحكمة كانت تستمع بدقة وتدقق في جبل الأدلة الدامغة التي لا تقبل الشك. بعد مداولة استمرت لساعات داخل غرفة المداولة، عادت الهيئة إلى منصة القضاء. ساد الصمت التام في القاعة، وشخصت أبصار الجميع نحو رئيس المحكمة وهو يتلو الحكم: “حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء: أولاً، بمعاقبة المتهم أحمد محمود عبد السلام بالسجــ,,ـــــن المشدد لمدة خمس سنوات، وإلزامه برد كافة المبالغ المالية المستولى عليها لصالح شركة التأمين والمجني عليها.
ثانياً، إحالة الأوراق الخاصة بتعاملات الشقق والتحويلات المالية لأخته للنيابة العامة لاستكمال التحقيقات في شق النصب والاحتيال.” طرق رئيس المحكمة بالمطرقة، وعلا الصوت في القاعة. أحمد انهار في مكانه داخل القفص، وغطى وجهه بيديه والكلبشات تجلجل في يديه، بينما علت ملامح أخته سمر وحماتي الصدمة والذهول في أواخر القاعة. تنقستُ الصعداء لأول مرة منذ أشهر.
كان ذلك الحكم الجنائي هو حجر الزاويه الذي استند عليه الأستاذ رفعت في الجلسة التالية أمام محكمة الأسرة، حيث صدـ,,ـــر لي حكم سريع ونهائي بالطلاق للضرر، مع إلزام أحمد بكافة حقوقي المالية والمؤخر واسترداد مستحقاتي من الحساب المشترك. خرجتُ من مبنى المحكمة وأنا أحمل وثيقة طلاقي وحكم العدالة في يدي.
استنشقتُ الهواء النقي وأنا أنظر إلى السماء بقلب مؤمن يملؤه اليقين. كانت تلك بداية النهاية لطابور طويل من الآلام، لكن الطريق لترتيب حياتي من جديد واستعادة استقلالي الكامل كان ما يزال أمامي خطواته الأخيرة. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.