بصيت لعمهم بكل قسوة الدنيا: — تنازل؟ مش هتنازل لو اتوزنت بالدهب! أحمد مش بس هيتحبس في قضية التأمين، ده المحامي بتاعي بكره الصبح يقدم بلاغ جديد للنيابة العامة بتهمة النصب والاحتيال وغسيل الأموال بمساعدة أخته سمر! سمر صرخت برعب: — أنا مالياش دعوة! أنا كنت بنفسذ اللي أحمد بيطلبه مني! عمر فتح باب الشقة على آخره وقال بصوت زي الرعد: — اتفضلوا بره!
بره البيت ده! رجلكم ما تطأش هنا تاني، واللي بيننا وبينكم هو قاعة المحكمة والنيابة! حماتي وهي طالعة من الباب تلعن وتدعي عليا: — ربنا مش هيهنيكي يا مريم! خربتي بيت ابنك وضيعتي مستقبله! رديت عليها وأنا بقفل الباب في وشها بكل قوتي: — ابنك هو اللي خرب بيتي وجاب داغري لنفسه، واليوم اللي هيتحكم عليه فيه هكون أنا واقفة أبتسم في وش العدالة!
بعد ما خرجوا، الشقة هديت. تليفوني رن… كان الأستاذ رفعت المحامي. رديت عليه بسرعة: — ألو، أستاذ رفعت؟ — مدام مريم… النيابة العامة لسه مخلصة مواجهة بين أحمد ونهى وموظف المستشفى الخاص. — وإيه اللي حصل؟! — أحمد انهار تماماً في التحقيقات بعد ما واجهناه بإيصالات الأمانة والتحويلات البنكية اللي باسم أخته، وبشهادة نهى. الموظف اعترف إن أحمد كان بيدي له مبالغ مالية تحت الترابيزة عشان يمرر الكروت التأمينية بتاعة حضرتك من غير ما يدقق في الشخصية.
سكت المحامي ثانية وكمل بنبرة انتصار: — النيابة وجهت لأحمد رسمياً تهمة التزوير في محررات عرفية الرسمية، والاستيلاء على أموال جهة عمل وتأمين، وقررت إحالته للمحاكمة الجنائية العاجلة مع استمرار حبسه! قفلت المكالمة ونزلت على ركبي في الصالة. الدموع اللي كانت محبوسة جوايا من أيام نزلت أخيراً، بس ما كانتش دموع حزن ولا كسرة… كانت دموع إحساس بالحرية ورد الاعتبار.
لكن المحاكمة الجنائية كانت على الأبواب، وأحمد في التخشيبة كان بيجهز كارت أخير وورقة خبيثة جداً عشان يحاول يربطني معاه في القضية ويجبرني أتنازل… الكارت اللي هكتشفه في الجلسة الأولى للنيابة ومواجهتي الأخيرة معاه. اليوم التالي كان موعد الجلسة الأولى لمواجهتنا أمام نيابة الأموال العامة قبل الإحالة النهائية للمحكمة. دخلت مبنى النيابة بصحبة عمر والأستاذ رفعت. كانت الممرات مزدحمة ورائحة الأوراق القديمة تملأ المكان.
جلسنا ننتظر دورنا، ويدي لا تتوقف عن الارتجاف رغم محاولاتي التظاهر بالثبات. وفجأة، ظهر أحمد. كان مسحوباً بين رجلين من رجال الشرطة، يرتدي الكلبشات الحديدية في يديه. كان شكله مزرياً؛ ذقنه طويلة غير حليقة، وقميصه مجعد، وعيناه غائرتان يملؤهما السواد والإنهاك. أول ما وقعت عيناه عليّ، حاول القفز خطوة للامام ونادى بصوت مبحوح: — مريم! أرجوكِ يا مريم بس كلمة واحدة! عمر وقف سداً بيني وبينه، والحرس زقوه بقوة للداخل: — امشي يا متهم من غير كلام!
دخلنا غرفة وكيل النيابة. جلس وكيل النيابة خلف مكتبه العريض وأمامه جبل من الملفات. على الجانب الآخر كان يجلس أحمد ومعه محاميه الجديد الذي أجرته أخته سمر. بدأ وكيل النيابة الفحص واستعراض أقوال موظف المستشفى وشركة التأمين وشهادة نهى والأوراق المرفقة. ثم وجه كلامه لأحمد: — المتهم أحمد محمود عبد السلام… المستندات المزورة والأختام وبلاغ شركة التأمين وشهادة الشهود كلها بتأكد إدارتك لعملية تزوير كاملة لاستغلال بيانات زوجتك المجني عليها “مريم” بدون علمها.
هل عندك أي دفاع؟ هنا وقف محامي أحمد، وابتسامة خبيثة تظهر على شفتيه، وطلع من حقيبته ورقة مطبوعة وحطها على مكتب وكيل النيابة:— سادتك، الموكل لم يرتكب التزوير بمفرده ولا بدون علم المجني عليها كما تدعي. نحن بنقدم للنيابة الموقرة عقد اتفاق داخلي وتفويض موقع بين المتهم وزوجته مريم يرجع تاريخه لسنة 2017، بتفوضه فيه بتسيير كافة المعاملات المالية والتأمينية الخاصة بها واستخدام بطاقتها في كافة المستشفيات!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.