نحن بنقدم للنيابة الموقرة عقد اتفاق داخلي وتفويض موقع بين المتهم وزوجته مريم يرجع تاريخه لسنة 2017، بتفوضه فيه بتسيير كافة المعاملات المالية والتأمينية الخاصة بها واستخدام بطاقتها في كافة المستشفيات! قلبي سقط في رجلي. بصيت للأستاذ رفعت برعب، ولفت لوكيل النيابة وقلت بذهول: — عقد إيه وتفويض إيه؟! أنا عمري ما وقعت له على تفويض زي ده!
المحامي كمل بثقة مسمومة: — التوقيع المذيل في أسفل التفويض هو توقيع المجني عليها الحقيقي، ونطالب بإحالتها مع المتهم كشريكة في التسهيل والاستيلاء على أموال التأمين بدلاً من كونها مجني عليها! أحمد بص لي في اللحظة دي بنظرة نصر وانتقام بشعة. الكارت الأخير اللي كان مجهزه كان محاولة لسحبي معه للداخل؛ إما أن أتنازل عن القضية وأسحب الاعتراض للنجاة بنفسي من السجــ,,ـــــن، أو أُحبس معه كشريكة!
وكيل النيابة مسك الورقة ودقق فيها، وبعدين بص لي: — مدام مريم… هل ده توقيعك؟ أخذ الأستاذ رفعت الورقة من يد وكيل النيابة وفحصها بتمعن وهو يبتسم بهدوء أربك محامي أحمد. رفع رفعت رأسه وقال بثبات: — سيادة وكيل النيابة… الورقة دي بالفعل عليها توقيع موكلتي الصريح، لكن الورقة دي هي “استمارة مجمعة لطلبات القرض البنكي” اللي المتهم جعل موكلتي توقع عليها سنة 2017 لمساعدته في الشقة، وقام المتهم بقص الجزء الأعلى منها وطباعة نص “التفويض التأميني” إلكترونياً أعلى التوقيع، وهو ما يُعرف قانوناً بـ “التزوير على بياض واستغلال التوقيع”!
أحمد وشه أبيض تماماً، ومحاميه ارتبك وبدأ يقلب في أوراقه بتوتر. أضاف الأستاذ رفعت بسرعة: — ونحن نطلب فوراً إحالة هذه الورقة إلى “إدارة خبراء التزييف والتزوير” بوزارة العدل لمضاهاة خط المطبوعات مع التوقيع ولبيان أسبقية التوقيع على النص المطبوع، ونطالب بإضافة تهمة جديدة للمتهم وهي التزوير واختلاس التوقيعات! وكيل النيابة ضــ,,ـــــرب بإيده على المكتب ونظر لأحمد بغضب شديد: — بقى بتمارس التزوير جوة التحقيق كمان؟
! أحمد انهار وبدأ يصيح بعصبية وهستيريا: — أنا ما زورتش حاجة! هي كانت عارفة! هي كانت موافقة على كل حاجة وكانت بتديني أوراقها بإيدها! هي بتمثل عليكم وعايزة تدمرني وتضيعني! وكيل النيابة رفع قلمه وسجل في المحضر: — قررنا نحن وكيل النيابة: أولاً، إحالة المحرر المرفق إلى الطب الشرعي وإدارة خبراء التزييف والتزوير.
ثانياً، استمرار حبس المتهم أحمد محمود عبد السلام 15 يوماً أخرى على ذمة التحقيق. ثالثاً، إحالة القضية برمتها إلى محكمة الجنايات بدائرة التزوير والاستيلاء على المال العام. خرج أحمد وهو يتخبط في خطاه، والكلبشات يرن صوتها في الممر كأنه جرس إعدام لمستقبله. خرجنا من باب النيابة، والشمس كانت ساطعة في السماء. الأستاذ رفعت بص لي وقال: — اللعبة انتهت يا مدام مريم.
القضية اتحددت لها أول جلسة محاكمة جنايات الشهر الجاي… وأحمد مش هيطلع منها بقل من خمس سنين سجــ,,ـــــن مشدد. مسكت إيد أخويا عمر بامتنان. كان باقي خطوة واحدة فقط: جلسة المحكمة الفاصلة لصدور الحكم النهائياً، ودعوى الطلاق التي رفعتها للضرر لاسترداد حريتي الكاملة منه. مرت الأيام ببطء شديد وأنا أنتظر اليوم الذي سيُحسم فيه كل شيء.
كنتُ بين أروقة البيت أقضي الوقت في الدعاء والاسترجاع، محاطة بدعم عائلتي وأخي عمر الذي لم يتركني لحظة واحدة. جرح النزيف الجسدي التأم، لكن أثر الخديعة ظل محفوراً في أعماقي، يتلاشى تدريجياً مع كل خطوة نخطوها نحو العدالة. في صباح يوم جلسة المحاكمة الجنائية، ارتديتُ ملابسي بوقار وثبات. لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تتردد أو تخاف المجهول، بل امرأة أدركت قيمتها وعرفت كيف تأخذ حقها بالقانون.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.