مسكت الكلمة فورًا. — تلغي الاعتراض؟ اتوتر وحاول يتدارك: — قصدي… يعني نخليهم يحلوا الموضوع ودي من غير ما نحط أسمائنا في سين وجيم، وتدخلي نفسك في قضايا وإنتِ في أول حملك. رديت بصوت هادي ومستقر: — ومين قال إنها قضايا؟
دي مجرد مراجعة مستندات يا أحمد. إلا لو كان فيه حاجة خايف منها؟ بصلي بقوة، وعينيه اتسعت: — حاجة إيه اللي هكون خايف منها يا مريم؟! أنا بتكلم عشان صحتك! إنتِ من الصبح بتلمحي بتلميحات غريبة وبتبصيلي كأني مجرم.
أنا جوزك! — وأنا مراتك اللي مكتوب في ملفها الطبي إنها ولدت مرتين قيصري وهي بتمــ,,ـــــوت عشان تحمل لأول مرة! سكت، والجمود رجع لوشه تاني. قاطعت السكوت رنة جرس الباب. دليفري الأكل وصل. قام جاب الأكل وحطه على الترابيزة. قعدنا ناكل في صمت قاتل. كل واحد فينا عينيه في طبق، لكن تفكيرنا في مكان تاني خالص. أنا كنت مستنية ينام.
كنت عارفة إن السر مش في أوراق التأمين بس… السر في التليفون اللي كان بيهرب بيه للبلكونة. ساعة… ساعتين… أحمد كان بيتقلب في السر,,ـــــير، ومش عارف ينام. وأنا عاملة نفسي نايمة، وبحسب كل نفس بيخرجه. على الساعة تلاتة الفجر، بدأ نفسه يتنظم ويسحب في النوم. تسحبت بهدوء شديد من السر,,ـــــير. مسكت شنطتي، وطلعت منها الأربع ورقات بتوع التأمين.
دخلت المطبخ، ولعت النور الضعيف بتع الشفاط، وقعدت أدرس كل كلمة. في ورقة المطالبة التانية سنة 2021، كان فيه عنوان مكتوب بخط الإيد في خانة “عنوان المريض وقت الإقامة”: شقة 4 – عمارة 12 – شارع الأشجار – حدائق الأهرام. قلبي دق بشدة.
إحنا طول عمرنا عايشين في مدينة نصر! الشقة دي بتاعة مين؟ وليه مكتوبة في الملف؟ مسكت تليفوني وسجلت العنوان. وبعدين افتكرت حاجة… أحمد لما بيغير رقمه، بيسيب التليفون القديم في درج المكتب في الصالة. مشيت بشويش على أطراف صوابعي للمكتب.
فتحت الدرج بالراحة. التليفون القديم كان موجود، بس مقفول. حطيته على الشاحن بفيشة واطية ورا الكنبة، واستنيت دقيقتين لما فتح. التليفون كان محمي بكلمة سر. جربت تاريخ جوازنا… غلط. جربت تاريخ ميلادي… غلط. جربت تاريخ 21 يوليو 2018… يوم الولادة الأولى. التليفون فتح! إيدي كانت بترتعش لدرجة إن التليفون كان هيقع مني. فتحت الرسائل القديمة، والواتساب. ماكانش فيه رسائل كتير، كأنه كان بيمسح أول بأول… لكن كان فيه رقم واحد متسجل باسم “مهندس خالد – شغل”.
فتحت الشات بينه وبين “مهندس خالد”. صدمة عمري كانت في الصور اللي اتبعتت في الشات ده! صور أطفال… ولد عنده حوالي سبع سنين، وولد تاني أصغر عنده حوالي أربع سنين. وتحت الصور، رسائل بصوت أحمد: “الأولاد كبروا يا نهى… المظروف هيوصلك بكره مع السواق، ما تتصليش بيا على الرقم ده تاني.
” “نهى”… الاسم نزل عليا زي الصاعقة. نهى دي تبقى أخت صاحبه الأنتيم… اللي كانت خطيبته زمان قبل ما يتقدملي، وقال إن الموضوع انتهى من سنين بسبب مشاكل عائلية!
سمعت صوت حركة في الممر. قفلت التليفون بسرعة ورجعته مكانه، وحطيت ورق التأمين في الشنطة، وجريت على الصالة وقفت في الضلمة. خرج أحمد من الأوضة وهو بيفرك عينيه، وبصلي باستغراب لما شافني واقفة في الصالة: — مريم؟ واقفة كده ليه؟ رديت بصوت متقطع وأنا بحاول أتحكم في انفاسي: — بطني بتوجعني قوي يا أحمد… حاسة بمغص. قرب مني وشكل القلق ظهر عليه تاني، بس المرة دي كان قلق حقيقي: — مغص؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.