بصيت لأشرف... وحسيت لأول مرة من سنين إن الحمل اللي فوق قلبي بدأ يخف. مش لأنه وقف في صفي، لكن لأنه أخيرًا شاف اللي كنت بستحمله. منى سكتت شوية، وبعدين غرست شوكتها في المحشي التاني وقالت بضيق: ـ خلاص... طالما كلكم حساسين كده، أنا هسكت. ابتسمت وقولت: ـ لا... إحنا مش عايزينك تسكتي.
إحنا بس عايزينك تكلمي الناس بنفس الطريقة اللي تحبيهم يكلموكي بيها. بصتلي بحدة، فبصيتلها بثبات وقلت: ـ قوليلي بصراحة... لو البط وحش أوي كده، ليه طلبتي حتة تانية؟ وليه خلصتي اتنين محشي؟ وليه خدتي رغيف عيش كمان؟ كريم شرق في المية، ونهى ضحكت وهي مخبية وشها، وحتى أشرف ما قدرش يمسك نفسه من الضحك.
منى نزلت الشوكة من إيديها وقالت بصوت واطي: ـ عشان... كنت جعانة. ابتسمت وقلت: ـ أهو ده قصدي. مش لازم الأكل يبقى كامل علشان يبقى معمول بحب... ومش لازم أكون كاملة علشان أستحق الاحترام. الكلام فضل معلق في الهوا. أنا لا عليت صوتي، ولا عايرتها بحاجة، ولا فكرتها بكل اللي عملته فيا قبل كده... ويمكن علشان كده، ولأول مرة، منى ما لقتش رد.
بصت بعيد شوية، وبعدين قالت بهدوء: ـ هي... التورتة جاهزة؟ ضحكت من السؤال وقلت: ـ أيوه... ميل فوي بالكاسترد. قالت: ـ الكريمة معمولة في البيت؟ ـ كلها... وأخدت مني خمس ساعات شغل. حكايات منــال عـلـي هزت راسها وكأنها بتفكر. دخلت وجبت التورتة، وأشرف حط شمعة فوقها والكل سقف له. محمد باركله على الترقية، ونهى قالت: ـ أجمل حاجة في البيت ده إن الواحد يحس فيه براحة.
وقف أشرف وقال: ـ قبل أي حاجة... أنا عايز أشكر مراتي على الليلة دي، وعلى تعبها، وعلى صبرها، وعلى إنها مخلياني كل يوم أحس إن بيتي هو أريح مكان في الدنيا... وبجد، أنا فخور بيها جدًا. دموعي نزلت غصب عني. لفيت وشي وأنا بقطع التورتة، بصيت لقيت منى مركزة في طبقها. خدت أول لقمة وسكتت شوية، وبعدين رفعت عينها وقالت: ـ بصراحة.
.. التورتة تحفة. اتجمدت مكاني. ولأول مرة بصتلي من غير تكبر وقالت بصوت هادي: ـ أنا... معرفش أتعامل غير بالطريقة دي. دايمًا كنت فاكرة إن لو ما انتقدتش الناس محدش هيسمع كلامي. بس... إنتِ فعلًا تعبتي... وأنا آسفة. ما كانش مشهد درامي، ولا حد جري حضن حد، ولا كان فيه دموع كتير... لكن شفت أشرف وهو بيتنفس براحة، وفهمت إن كلمة "أنا آسفة" لما تطلع بصدق ممكن تغير سنين كاملة. ابتسمت وقلت: ـ شكرًا يا منى.
.. نفتح صفحة جديدة. بس المرة الجاية إنتِ اللي تعمليلنا المايونيز البيتي، عشان نشوف فعلًا بياخد خمس دقايق ولا لأ. ضحكت منى لأول مرة طول السهرة وقالت: ـ موافقة... بس بشرط، تعمليلنا التورتة دي تاني. وفي اللحظة دي... الضحكة طلعت من الكل، ضحكة بجد من القلب... وأخيرًا، بقت السفرة دي شكلها عيلة. النهاية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.