كان مقيد اليدين، يرتدي البدلة الزرقاء الخاصة بالمساجين، وجهه ذابل، شعره شاب بالكامل، وعيناه مكسورتان تفقدان أي بريق للغطرسة أو التلاعب الذي كان يمارسه طوال عشر سنوات. أول ما دخلتُ وجلستُ أمامه، انحنى بجسده وقدميه تترتجان، وقال بصوت خفيض ومبحوح يحمل كل أشكال الذل والاستعطاف: — مريم… أرجوكِ… أنا بقضي أيامي في جحيم.
أهلي تخلوا عني، وشغلي ضاع، وسمعتي أتمسحت، ونهى أخدت الأولاد وغادرت وما بقاش ليّا أي حد في الدنيا. أرجوكِ قولي للقاضي إنك مش متمسكة بالبند الأخير عشان أقدر أخرج بعد نص المدة… أنا اتدمرت يا مريم. نظرتُ إليه بظاهر هادئ، وبصوت نقي خالي من أي نبرة انتقام أو حقد، قلتُ له: — أحمد… أنت متدمرتش بسببي، أنت اتدمرت بفضيلة أفعالك وأيديك.
أنت عشت عشر سنين بتاكل في عرق اتنين، بتزور أوراق رسمية، بتستغل بياناتي، بتسرق صحتي وحملي واستقراري، وكانت عينك على فلوسنا وحقنا عشان تبني مجد كذاب لنفسك على أكتاف الناس اللي أمنوك على أرواحهم. دموعه نزلت على يديه المقيدتين بالحديد، وقال: — أنا آسف… والله العظيم ندمان… سامحيني عشان خاطر الأيام اللي بيننا.
وقفتُ على قدمي بثبات، ورفعتُ رأسي ونظرتُ له من الأعلى، وقلتُ الكلمات الأخيرة التي ختمت هذه القصة للأبد: — المسامحة بينك وبين ربنا يا أحمد… أما القصاص والعدل، فده حق القانون وحق صحتي وعمري اللي ضاعوا. أنا مش هغير حرف في اعتراضي، ومش هتنازل عن أي بند في أحكام العدالة. أنا جيت هنا عشان أشوفك للمرة الأخيرة، وأتأكد إن الكابوس ده اتقفل، وإن كل ظالم بياخد جزاءه في الدنيا قبل الآخرة.
تركتُه يبكي ويتوسل خلف الطاولة، وخرجتُ إلى قاعة قاضي التنفيذ. وعندما سألني القاضي عن رأيي في الالتماس، قلتُ بوضوح: “أنا متمسكة بتمام تنفيذ كافة الأحكام الجنائية الصادرة بحقه لحفظ حقوق المجتمع والحق الشخصي.” وقّع القاضي برفض الالتماس واستمرار حبس أحمد لمستحق عقوبته كاملاً. خرجتُ من باب السجــ,,ـــــن إلى النور، والشمس تملأ وجهي والدنيا ترحب بي من جديد.
أعادت لي هذه التجربة حياتي، وكرامتي، ومستقبلي الذي بنيته بشرفي وعرقي. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.