التقينا في نفس المساء في مكتب المحامي، وحكيت لهما كل ما دار في المكالمة. الأستاذ رفعت لم يتفاجأ؛ بل شبّك أطراف أصابعه وقال بهدوء الواثق من خطواته: — المحاولات الكيدية دي متوقعة جداً من أطراف مزنوقة في الزاوية وبترفض الخسارة. بس سمر وجوزها غافلين عن نقطة جوهرية… النيابة العامة لما تحفظت على حساباتها، أخدت “تفريع كامل” لكافة التحويلات البنكية وتوارخها وربطتها بالحساب المشترك بينك وبين أحمد!
أي إيصال أمانة يدّعوا إنه بين عمر وبينهم بتاريخ قديم، هيُعتبر فوراً جنحة تزوير جديدة وتقديم مستندات مزورة للسلطات القضائية، وبدل ما تكون سمر شريكة في النصب بس، هتوجه لها تهمة التزوير واستعمال محررات مزورة زي أخوها بالظبط! عمر خبط إيده على الطاولة وقال بغضب حاسم: — أنا مش هسيبهم يتنفسوا يا أستاذ رفعت. إحنا هنبادر فوراً ونقدم طلب رسمي للنيابة العامة بطلب حماية وشكوى استباقية بالتهديد والابتزاز، ونرفق فيه التسجيلات والمستندات!
بالفعل، في اليوم التالي، قدم الأستاذ رفعت عريضة استباقية لرئيس النيابة الكلية، يشرح فيها محاولات عائلة المتهم أحمد لابتزازنا وتهديدنا بإيصالات كيدية لإجبارنا على التنازل عن إجراءات التحفظ واسترداد الأموال. ولم تمضِ أربعة أيام، حتى وردت أنباء صاعقة: النيابة استدعت سمر وجوزها لمواجهتهما بالتحريات النهائية حول أموال غسيل النصب. وعندما حاولت سمر التلميح بوجود مديونيات على أخي، واجهها وكيل النيابة بالتقرير البنكي الحاسم الذي يثبت أن كل قرش دخل حسابها كان محولاً مباشرة من الحساب المشترك بيني وبين أحمد أو مسحوباً كاش في أيام ولادات نهى!
انهارت سمر في التفتيش والتحقيق، ولم تستطع تقديم أي أصل لأي إيصال أدّعت وجوده، وأصدـ,,ـــرت النيابة قراراً بضبط وإحضار جوزها، وتثبيت التحفظ المالي على كافة ممتلكاتها المدونة باسمها من أموالنا المسروقة. جلستُ في المساء في شرفتنا، وأنا أنظر إلى أنوار المدينة الممتدة. شعرتُ لأول مرة منذ سنوات طويلة أن كابوس الخوف والجهل قد انقشع تماماً، وأن كل من حاول التطاول على حقي أو استغلال طيبتي دفع الثمن كاملاً أمام العدالة.
لكن خطوة واحدة أخيرة كانت تفصلني عن الإغلاق التام لهذه الصفحة السوداء: إعادة استثمار أموالي المتردة وبدء حياتي الجديدة مستقلة ومرفوعة الرأس. استعدتُ كافة أموالي ومستحقاتي المالية بفضل الله وقوة القانون. صدـ,,ـــر قرار رسمي ونهائي من محكمة التنفيذ بمنحي كافة المبالغ المستردة من التحفظ المالي الذي كان مفروضاً على حسابات أحمد وأخته سمر، إلى جانب تسليمي كافة منقولاتي ومستحقاتي عن الطلاق للضرر.
كان الموقف المالي قد حُسم، وأحمد يقبع خلف القضبان يقضي عقوبته بالسجــ,,ـــــن المشدد، بينما واجهت أخته سمر وجوزها عقوبات وتبعات قانونية قاسية إثر بلاغات النصب وغسيل الأموال الكيدية التي حاولا تدبيرها. لكن الصفاء النفسي والبدء من جديد كانا يتطلبان خطوة شجاعة أكبر من مجرد الانتصار في أروقة المحاكم. أدركتُ أن بقائي في نفس دائرة الذكريات القديمة، والانغلاق على ألم الماضي والحمل المفقود، لن يبني لي مستقبلاً.
قررتُ أن أستثمر كل أرقامي وأموالي التي استرددتها بشرف في مشروع خاص طالما حلمتُ به وتخليتُ عنه سابقاً من أجل الاستقرار المزعوم مع أحمد. أسستُ بمساعدة أخي عمر مكتباً واستشارية متخصصة في الخدمات والتأمين الصحي والتنظيم الإداري للمؤسسات، مستفيدة من الخبرة والدروس القاسية التي مررتُ بها في تفاصيل الدفاتر والأوراق الرسمية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.