جواد حس إن كرامته اتهانت في مق. تل، مكنش قادر يستوعب إن "ولاء" الجارية اللي كانت بتدور في فلكه، هي اللي مستعجلة على الخلاص. حبس غضبه المكتوم، ومكنش قادر يقلل من نفسه أو يبان ضعيف أو مك. سور قدام عمي والمأذون.
بصلي بنظرة كلها غل وقسوة، وضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت، وبصوت جهوري طالع من قاع قهر كبريائه قال:
"أنتِ اللي اخترتِ يا ولاء.. وأنتِ طالق."
الكلمة طلعت منه.. رنت في ودني، هزت الجدران، بس مهزتش فيها شعرة. فضلت باصة في عينيه بنفس الابتسامة الباردة الساخرة، وقمت وقفت، ولميت حاجتي، وبصيتله النظرة الأخيرة وقُلت في سري:
"عهد عليا يا جواد.. هخليك تندم ندم عمرك. حكايات نورهان العشري
عدا شهر.. شهر كامل وأنا حابسة نفسي في الأوضة. الحيطان كانت بتضيق عليا، والليل كان بيمر عليا زي الموت البطيء. الشهر دا كنت بنام والدموع على خدي، وأصحى ألاقيها غرقت مخدتي من تاني. الوجع مكنش بيهدا، كان زي جمرة نار قايدة في نص صدري، كل ما أقول انطفت، تفتكر عيني لقطة القلم، أو رنة كلمته "أنتِ طالق"، فـ تولع من جديد.
كنت ببص لنفسي في المراية وأحس بالشفقة والخزي، 15 سنة حب و8 سنين جواز خلصوا في قعدة مأذون مكملتش ربع ساعة!
وفي يوم، الباب خبط ودخل بابا. قعد جمبي على السرير، وبص في وشي الدبلان وعيني المنفوخة من العياط. خد إيدي بين إيديه وطبطب عليا بحنان أب عاش عمره كله يربيني عشان يشوفني ملكة، مش مكسورة بالمنظر دا. حكايات نورهان العشري
بابا اتنهد تنهيدة شايلة هموم الدنيا وقال بصوت قوي وفيه عشم:
"لحد امتى يا ولاء؟ لحد امتى هتفضلي دافنة نفسك بالحيا عشان خاطر واحد ميستاهلكيش؟ أنتِ بنتي أنا، ولاء الشاطرة، الذكية، اللي كان الكل بيحلف بأدبها وعقلها. فوقي يا بنتي وقومي على حيلك، الوجع مش عيب، بس الاستسلام ليه هو اللي غلط. أنتِ معاكي شهادة كبيرة، ليسانس حقوق يعني تقدري تقفي في المحاكم وتجيبي حق المظلومين، فما بالك بحقك أنتِ؟"
بصيتله وعيني اتملت دموع، لكنه ضغط على إيدي وقال بابتسامة فخر:
"أنا مسبتكيش الشهر اللي فات دا عشان تضيعي، أنا كنت برتبلك للي جاي. كلمت المستشار فريد المنشاوي، صاحبي المحامي الكبير اللي مكتبه له اسمه في البلد، وحكيتله عنك والراجل رحب جداً وقالي خليها تيجي من الأسبوع الجاي تبدأ تدريب معايا في المكتب. عايزك تقوي يا ولاء، وتوري الدنيا كلها أنتِ مين." حكايات نورهان العشري
كلام بابا حسيت إنه زق فيا روح جديدة، روح كانت بتموت وبتطلع في الروح. وقبل ما استوعب، الباب اتفتح ودخلت أختي "منى". كانت شايلة شنطتها وفي عينيها نظرة إصرار وتحدي، قربت مني وشدتني من إيدي وقالت بصوت كله طاقة وفرحة مصطنعة عشان تخرجني من اللي أنا فيه:
"يالا يا لولو، مفيش قعاد في الأوضة تاني! قاطعين تذاكر للدنيا من النهاردة. يالا بينا هننزل نعمل شوبينج لسيادة المحامية، ومنها نطلع على البيوتي سنتر نعمل نيولوك يغير المود دا خالص.. مش عايزة اعتراض، يالا قومي اغسلي وشك!"
فعلاً، نزلت معاها وكأني منقادة، كنت ماشية في المحلات وسط الهدوم والألوان، أختي تنقي وتختار وتقولي "دا هيليق عليكي" و"دا لونه يجنن عليكي". اشترينا هدوم كتير أوي، بدل فورمال، وفساتين، وحاجات مكنتش بجرؤ ألبسها وأنا مع جواد عشان مكنش بيحبني ألفت النظر.
حكايات نورهان العشري
وبعدها دخلنا الكوافير. قعدت على الكرسي والمراية قدامي، وبدأت الكوافيرة تشتغل في شعري. قررت أغير كل حاجة.. غيرت لون شعري لدرجة دافية تليق على بشرتي السمرا اللي حماتي و بناتها كانوا بيعايروني بيها، وقصيت أطرافه المجهدة من الهم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.