كانت "ميرال" بحاجة إلى أهلها و اصدقائها ومع اقتراب منتصف النهار، وصلت "فريدة" ممسكة بحقيبة قماشية، وعيناها حمراوان من البكاء وضيق التنفس. وتوقفت فجأة وهي تراني واقفًا في الممر. لثانية واحدة، شعرتُ أنها قد ترفع يدها لتصفعني على وجهي.لكنها بدلاً من ذلك، اقتربت وقالت بحدة وغضب:
— "هي كويسة؟
"
— "أيوة."
— "والبيبي؟"
— "نبضه قوي وبخير."
سقط كتفاها فجأة وكأنها كانت تحمل السقف على عاتقها طوال هذا الوقت.ثم نظرت إليّ بغضب عارم مستعر:
— "إنت اختفيت وسبتها!"
— "عارف."
— "كانت محتاجاك يا زياد!"
— "أنا عارف."
— "لأ يا سيادة المستشار.. متقولش عارف دي كأن الكلمة هتقلل من حجم المصيبة اللي عملتها!"
تقبلتُ كلماتها اللامعة بالصدق دون دفاع:
— "عندك حق في كل كلمة."
نزع اعترافي السريع أسلحة دفاعها؛ فتقطبت عيناها بدهشة وسألت: حكايات نورهان العشري
— "إيه اللي حصل بالظبط؟"
— "كنت فاكر إن بعدي عنها هو اللي هيحميها."
تغيرت ملامح وجه "فريدة"؛ لم يكن غفرانًا، بل ربما تفهمًا مشوبًا بخيبة أمل أعمق بكثير من الغضب:
— "إنت دايماً كنت بتفتكر إن الوجع في صمت بيخلي الرجالة تظهر بمظهر النبل والشهامة."
كدتُ أبتسم بسخرية من نفسي، فكم كانت كلماتها تحمل من الحقيقة المرة.قلتُ لها:
— "هي سألت عليكي."
امتلأت عيناها بالدموع فورًا:
— "هي صحيت؟"
— "بتصحى لفترات قصيرة."
— "ممكن أشوفها؟"
— "هطلب من الدكتورة صفا تدخلِك."
نظرت "فريدة" متجاوزة كتفي نحو الباب وقالت:
— "زياد؟"
— "نعم"
— "لو عيلتك هي اللي عملت فيها كدة.. بلاش تتعامل معاهم ببرود لغة عيلة المسيري."
التقيت عيناها بعينيَّ وقلتُ بيقين:
— "هتعامل معاهم بلغة راجل بيحبها ومستعد يهد الدنيا عشانها."
ظلت الكلمات تتردد في عقلي لفترة طويلة بعدما سمحت الدكتورة "صفا" لفريدة بالدخول إلى الغرفة.
وفي تمام الساعة الثانية ظهرًا، اتصلت "أميرة" من الفيوم.وضع "مازن" المكالمة على مكبر الصوت (الاسبيكر).قالت بصوت يقطع فيه صوت الهواء القوي:
— "أنا لقيت الطرد والجواب يا مازن.. كان في صندوق البوسطة زي ما مدام ميرال قالت بالظبط."
سألتها بلهفة:
— "الورق معاكي دلوقتي؟"
— "أيوة.. ومقفول بختم الشمع. بس يا مازن بيه.. كان في حد تاني هنا."
تصلب "مازن" في وقفته:
— "مين؟"
— "معرفش.. راجل راكب عربية سودة . كان راكن على أول الطريق لما وصلت. ولما شافني باخد الجواب، دور العربية وجري بسرعة."
— "لقطتي نمرة العربية؟"
— "جزء منها.
. بعتهولك في رسالة حالا."
قال لها "مازن" بصرامة حاسمة:
— "اوعي ترجعي لوحدك خالص. روحي على مركز شرطة الفيوم واقعدي هناك ومتحركيش."
— "أنا في الطريق للمركز فعلاً."
وأُغلق الخط.الطرد موجود إذن.. والتسجيل الصوتي موجود بالفعل..وهناك من حاول اعتراض طريقه وسرقته قبلنا.
مر اليوم بإيقاع متوتر ومشحون بالقلق. استيقظت "ميرال" مرتين، وكانت "فريدة" تجلس بجانبها، تضع قطع الثلج على شفتيها وتحدثها عن أمور عادية وبسيطة لتشتت ذهنها؛ عن كلب الجيران، وعن تلميذ في الفصل ناداها بالخطأ ماما، وعن الشوربة السيئة في بوفيه المستشفى. ابتسمت "ميرال" ابتسامة خفيفة للغاية، وكان مرأى تلك الابتسامة يقع على قلبي أشد وأقسى من أي اتهام أو عتاب.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.