سلسلة و غويشة ٢

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

». جوزي بلع ريقه ولسانه لزق في سقف حلقه، كان واقف وشه أصفر زي الليمونة ومش قادر ينطق بنص كلمة ولا يفتح بقه بحرف واحد قدام أمه، لا قادر يكسر فرحتها ويقول لها إن الحجة والعفش دول دفع تمنهم ميكروباص من لقمة عيشه، ولا قادر يعترف بالفضيحة والضــ,,ـــــربة اللي أخدها على قفاه ومسح فيها كرامته عند أبويا وإخواتي.. فضل ساكت ومكتوم، يبتسم ابتسامة ميتة وكل مسمار في الشقة الجديدة حاسس إنه بيتحــ,,ـــــرق بيه من جوة.

من اليوم ده، انقلبت الموازين في البيت.. بقى هو اللي بيصحى من النجمة مطحون في الوردية على الميكروباص الوحيد اللي فاضل معاه، ويطبق ليل مع نهار عشان يسد مصاريف البيت، وبقى يدخل في الجمعيات دي يخرج من دي يدخل في غيرها، كل قرش يجيبه يربطه عشان يجمع مقدم لميكروباص جديد بدل اللي اتفرط، والغرور والعنجهية اللي كلمني بيهم زمان اتبخروا للأبد.

أما أنا، ففضلت قاعدة في شقتي المتجددة، أباشر خياطتي وزبايني ودهبي في إيدي، يشوفه كل يوم ويفتكر إنه كان فاكرني حيطة مايلة.. بس اتعلم بالدرس القاسي إن الست لما تكون جدعة وشقيانة، وراها ضهر وسند قادرين يقلبوا الطرابيزة في ثانية ويرجعوا لها حقها تالت ومتلت. دارت الأيام ومرت الشهور ثقيلة عليه، وهو بين الصبح والليل ما بينفّسش، عينه ما بتشوفش النوم وكتفه انهدّ من لف الدركسيون وسداد الجمعيات اللي كانت خانقاه من رقبته.

كان يرجع آخر الليل مهدود الحيل، هدومه ريحتها جاز وعرق، يدخل يلاقيني قاعدة على مكنتي بخيط ببال رايق، ودهبي بيلمع في إيدي وتحت نور اللمبة، يبص لي ويسكت، يبلع غيظه ومرارته وما يجرؤش يلمح بحرف، كأنه شايف قدامه جبل اتكسرت عليه شوكته زمان. لحد ما جه اليوم اللي قبــ,,ـــــض فيه آخر جمعية، وراح ودفع المقدم واستلم ميكروباص جديد زيرو، نزل بيه الشارع وهو بيوزع شربات، وعينه رايحة جاية عليا وهو فرحان إنه أخيراً رجّع اللي ضاع منه وبقى عنده عربيتين شغالين على الخط زي الأول.

اليوم ده، دخل عليا البيت ووشه مرتاح لأول مرة من شهور، شايل في إيده فاكهة وحاجة حلوة، وحط المفاتيح على الطربيزة برنّة هادية، وقعد جنبي بهدوء غير العجرفة بتاعة زمان. بص لي وقال بنبرة مكسور منها شوك الكبرياء: «الميكروباص وصل يا أم عمر ، وبقى عندي اتنين شغالين، والحمد لله الغمة انزاحت والرزق هيرجع يفيض».

رديت عليه بهدوء تام وأنا باخد منه الحاجة: «مبروك عليك يا بو فلان، ربنا يجعله قدم خير ورزق حلال، ويكفيك شر طريقك». بدأت المية ترجع لمجاريها في البيت، رجع يتكلم ويتعامل معايا عادي ويضحك ويهزر، بس كانت المعاملة متغيرة من الجذور.. العين المكسورة عمرها ما رجعت تبجّح، والنظرة العالية اتبدلت باحترام وحساب لكل كلمة تخرج من بقه قبل ما ينطقها.

بقى قبل ما يقرر مليم يخرج من جيبه، ييجي يقعد معايا ويقول لي: «إيه رأيك نعمل كذا؟»، ومبقاش يتجرأ حتى يبص لعلبة دهبي المركونة على التسريحة، ولا حتى يسألني قرش خياطتي رايح فين ولا جاي منين. عرف وقتها إن الطيبة مش هبل، وإن السكوت مش قلة حيلة، وإن اللي وراها رجالة ما يتلويش دراعها.

. عاش معايا راجل بيت بيتقي الله فيا، وحاطط في باله دايماً إن القلم اللي خده في الميكروباص الأولاني، ممكن يتكرر تاني وأشد لو فكر يوم يدوس على كرامتي أو يمد إيده على شقايا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايات رشا خالد اخبار

حكايات رشا خالد

كنت حامل لأول مرة في حياتي، ولما روحت أفتح ملف متابعة الحمل على التأمين، الدكتورة بصت في ا…

Norhan Mohamed 0.0 11 دقائق